باسم الآب والابن والروح القدس. نلتقي اليوم في حضرة الرب لنستقي من كلمته عزاءً يحيي القلوب ويجدد الرجاء في مسيرتنا نحوه.
يا رب، يا من ترأف بضعفنا، ارحمنا. أيها المسيح، يا رجاء المتعبين، ارحمنا. يا رب، يا من تحيي القلوب المكسورة، ارحمنا.
تخيلوا معنا تلك اللحظات الهادئة في البيت، حيث يجلس الصبي إلى جانب آلة الطبول الإلكترونية، بعصاه الصغيرة المركزة، يتابع النبضة تلو النبضة بتركيز عميق لا تهزه شائبة، وقبل أن ينتهي، يميل أخوه الصغير رايان بحماس ليجلس معه على نفس المقعد الصغير، شريكاً له في النغمة وفي اللحظة، بقميصي صيف خفيفين وضحكات تملأ الغرفة دفئاً وبساطة. هكذا كان بنيامين، أو بن كما يناديه من أحبه، يجمع بين دقة العقل ودفء القلب، بين الشغف الهادئ وحضور العائلة الذي لا يُقدر بثمن.
في رسالة بولس الرسول اليوم إلى أهل أفسس، يتحدث بولس عن بناء جسد المسيح وعن روابط المحبة التي تشد الأجزاء بعضها ببعض: «من حيث إن الجسد كله، مركباً وموصولاً بكل رباط إسناد، بحسب عمل كل عضو على قياسه، ينشئ نمو الجسد لبنيانه بالمحبة». تأملوا هذه الصورة المعمارية الحية، صورة الجسد الذي لا يقف على عود واحد، بل يتغذى من كل مفصل، من كل ارتباط، من كل نبضة حياة يضعها الله فينا. بن لم يكن عضواً عابراً في هذا الجسد؛ بل كان يحمل في عقله اللامع وفضوله الذي لا يهدأ، وفي ذلك الشغف المبكر بالهندسة والتكنولوجيا وعوالم البرمجيات التي تعلمها من أبيه، طاقة عجيبة تنبض بالحياة، روحاً كانت تتوق دوماً لأن تفهم كيف يعمل العالم لكي تحبه بشكل أفضل.
ثم نقرأ في إنجيل القديس لوقا ذلك الحوار العجيب، حيث يسأل الناس يسوع عن أولئك الذين سقط عليهم برج سلوام أو الذين مزق بيلاطس دماءهم، وكأن البشرية منذ أقدم الأوقات تبحث دائماً عن تفسير للألم، عن سبب خفي لكل فاجعة تضرب الأيام. ويجيبهم يسوع بكلمات تقطع الشك وتدعو إلى التوبة الحقيقية، ثم يروي لهم قسماً من مثل شجرة التين التي لم تطمر ثمراً لثلاث سنوات، وحين يطلب صاحب البستان قطعها، يقف البستاني ليقول: «يا سيد، اتركها هذه السنة أيضاً حتى أقبض حولها وأضع لها زبلاً، فلعلها تثمر في المستقبل، وإلا فمن بعد تقطعها». شجرة تنتظر، تراب يعزق، عناية تُبذل بصمت وفي صبر عجيب.
أربعة أشهر مرت منذ أن أنهى بنيامين رحلته الأرضية في الثالث عشر من يونيو من هذا العام 2026، ليعبر إلى مأدبة السماء حيث يستريح في نور لا يزول. أيتها الأم الفاضلة تاو، أيها الأب الحبيب آلان، ويا رايان يا رفيق الدرب وأخا الروح، أعلم تماماً كم هو قاسي هذا الغياب، وكم هي ثقيلة تلك اللحظات التي يمر فيها صمت البيت ليذكّر بالفراغ الذي خلفه رحيل بن. في هدوء الليل، حين يتردد صدى الأيام القديمة وتتداخل الأحلام والذكريات، ربما يتسلل إلى أعقاس قلوبكم ذلك السؤال المتعب: لماذا؟ هل كان هناك شيء فاتنا؟ هل كان بإمكاننا أن نغير شيئاً في مسار الأقدار؟
اليوم، أريد أن أرفع هذا الحجر الثقيل عن صدوركم بكلمة حق واضحة ونقية كصوت السماء: لا لوم عليكم. الله لا يرسل المرض كعقاب، ولا يكتب الأقدار ليختبر قسوة القلوب. بنيامين لم يرحل بسبب غفلة، ولم يكن تعبه ناتجاً عن أي تقصير منكم. كنتم له المرفأ والحضن والدفء الذي لم ينقطع قط، وكنتم له الأمان الذي استند إليه طوال أيامه. بعض الآلام تأتي من خارج كل سيطرة بشرية، ولا تحملون وزر ما لا يد لكم فيه. استريحوا من هذا العذاب الداخلي، ولا تتهموا أنفسكم، فالله لا يحاسب المحبين على أقدار وحدها أيدي السماء تعرف غايتها. لقد كنتم له كل شيء، وهو الآن في حضن من هو أعظم من كل شيء.
تأملوا في صبر البستاني في الإنجيل. إنه لا يقطع بسرعة، بل يعتني بالتراب، ويحفر حول الجذور، وينتظر بصمت محب. هذا هو الله معكم اليوم. إنه لا يقسو عليكم، بل يحفر حول قلوبكم المتعبة برفق, يضع فيها رجاءً جديداً وبلسماً يخفف وحشة الفقد. بن كان يحمل في قلبه نقاءً فريداً؛ تذكروا ذلك الطفل الببي الذي عرض براءته وخالصه، بكل عفوية، أن يقدم حصالته الصغيرة لمساعدة عمه الذي كان يصارع المرض. لم يكسر الحصالة ولم يفرغها، بل عرض. كان العرض بحد ذاته صادراً عن قلب لا يعرف الأنانية، قلب أراد أن يمنح كل ما يملكه لمن يحب. هذا العطاء الخفي، هذا الاستعداد للحب المطلق، هو الثمر الذي زرعه الله في روح بن، وهو مستمر اليوم في كل عمل خيّر يُصنع بصمت في ذكره، كبئر الماء العذب الذي يروي العطاش في فيتنام، وكالخير الذي يتسرب إلى حياة من يحتاجون العزاء.
إلى كل من يتابعنا اليوم من مكان بعيد، وإلى كل عائلة تحمل صليباً ثقيلاً في صمت، وإلى كل طفل يصارع الألم في مستشفى مظلم، وإلى الأمهات والآباء الذين يبكون بصمت في بيوتهم: اعلموا أنكم لستم وحدكم. الله يرى دموعكم ويحصي تنهداتكم. إن صليبكم ليس إهمالاً من الله، بل هو دعوة لأن تقتربوا أكثر من قلبه الكلي الرحمة.
عندما تغادرون هذا المكان اليوم، احملوا معكم شيئاً صغيراً وعملياً تستطيعون حمله في جيوب قلوبكم: لا تثقلوا أيامكم باللوم، بل اتركوها تسقط عند قدمي الصليب. افعلوا شيئاً صغيراً وخفياً باسم بن، ابتسموا في وجه غريب، قولوا كلمة طيبة لمن تعب من مسيرته، وتذكروا أن الحب الحقيقي لا يموت أبداً بل يعود دائماً ليزهر من جديد.
ليحفظ الله عائلتكم، وليمسح دموعكم، وليبقى سلام المسيح يملأ بيوتكم وقلوبكم إلى الأبد. آمين.
For the intentions entrusted to Ben on our prayer wall:
بأمر مخلصنا وتشكيلنا بالتعليم الإلهي، نجسر على القول:
أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك، كما في السماء كذلك على الأرض. أعطنا خبزنا كفاف يومنا، واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، كما نحن نغفر لمن أخطأ وأساء إلينا، ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير. آمين.
بارككم الله الكلي القدرة، الآب والابن والروح القدس، وحفظكم في سلام محبته إلى الأبد. آمين.
✝ ليبارِكْكُمُ اللهُ القَدير، الآبُ والابْنُ والرّوحُ القُدُس. آمين.