باسم الآب والابن والروح القدس. نلتقي اليوم في رحاب كلمة الله، لنستمد منها العزاء والقوة، واضعين كل أحزاننا ورجاءنا تحت حماية الصليب المقدس.
يا رب، ارحم. يا مسيح، ارحم. يا رب، ارحم.
تخيلوا معي مشهداً بسيطاً، مشهداً قد نراه في أي شارع أو في أي زاوية من زوايا حياتنا اليومية: زحامٌ شديد، حشودٌ تلتف حول شخصٍ ما، وأصواتٌ تتداخل في محاولة للوصول إلى المركز. في إنجيل اليوم، نقف أمام هذا المشهد: 'جاءت أم يسوع وإخوته، فلم يستطيعوا الوصول إليه بسبب الجمع'. إنها صورةٌ تلمس وتراً حساساً في أعماقنا. كم مرة شعرنا، في الأشهر الماضية، أننا نحاول الوصول إلى الله، نحاول أن نلمس ثوبه أو نسمع صوته، لكن 'الجمع'—ضجيج الحياة، ثقل الفقد، حيرة الأسئلة التي لا تنتهي—يقف حائلاً بيننا وبينه؟
نحن هنا اليوم، يا آلان، يا تاو، يا رايان، بعد مرور ثلاثة أشهر على رحيل بنيامين. إن هذا الفراغ الذي تركه في البيت ليس مجرد غيابٍ مادي؛ إنه صمتٌ يتردد صداه في كل زاوية. بنيامين، ذلك الفتى الذي كان يرى العالم بعينين مليئتين بالذكاء والفضول، الذي كان يفكك شفرات البرمجة كما يفكك طفلاً ألعابه، والذي كان يرى في الطائرات—تلك التي كان يسميها بمرح 'كون تشيم إيرلاينز'—أجنحةً للأحلام، لم يكن مجرد عقلٍ عبقري. كان قلباً يسعى دائماً نحو الأفضل. أتذكرون تلك اللحظة التي عرض فيها بكل براءة أن يهب كل مدخراته لعمه المريض؟ لم يكسر الحصالة، ولم يفرغها، بل 'عرض'. هذه اللحظة، هذا العرض الصغير، هو جوهر بنيامين. لم يكن بحاجة إلى أن يفعل شيئاً؛ كان يكفي أن قلبه كان مستعداً للعطاء بلا حدود. هذا هو الحب الذي لا يعرف الحساب، الحب الذي يسبق الفعل.
يقول سفر الأمثال في قراءة اليوم: 'مثل الجدول قلب الملك في يد الرب، حيثما شاء يوجهه'. إن قلب بنيامين كان كجدولٍ صافٍ، موجهٍ نحو الخير، نحو العطاء، نحو الطيبة التي لم تكن تعرف التصنع. لكن، يا أحبائي، قد يهمس لكم الحزن في ساعات الفجر الأولى: 'لماذا انتهت هذه الرحلة مبكراً؟ هل كان هناك شيء فاتنا؟ هل كان بإمكاننا أن نغير المسار؟'. أريد أن أرفع هذا الحجر الثقيل عن صدوركم اليوم، بكلمةٍ واضحة كالنور: لا لوم عليكم. الله لا يرسل المرض كعقاب، ولا يكتب الأقدار ليختبر قسوة قلوبنا. بنيامين لم يرحل بسبب غفلة، ولم يكن تعبه نتيجة أي تقصير منكم. لقد كنتم له المرفأ، والحضن، والدفء الذي لم ينقطع قط. الله لا يتهمكم، بل هو الذي يضمكم في ألمه اليوم. لا تحملوا وزر ما لا يد لكم فيه، فالله لا يحاسب المحبين على أقدار لا يملكون مفاتيحها. لقد كان بنيامين هبة، وقد عاد إلى واهب الحياة.
إن يسوع في إنجيل اليوم يقلب موازين القرابة البشرية. عندما قيل له إن أمه وإخوته ينتظرون، لم يقل: 'انتظروا، سأذهب إليهم'. بل نظر إلى الذين حوله وقال: 'أمي وإخوتي هم الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها'. هذه ليست إقصاءً لأمه، بل هي توسيعٌ لدائرة العائلة. إنها دعوةٌ لنا جميعاً لنعرف أننا، في ألمنا وفقدنا، لسنا وحدنا. نحن جزءٌ من عائلةٍ أكبر، عائلةٍ تجمعنا فيها كلمة الله. بنيامين الآن في قلب هذه العائلة الأبدية. هو ليس غائباً، هو فقط انتقل إلى الغرفة المجاورة في بيت الآب، حيث لا ألم، ولا تعب، ولا انتظار.
يا رايان، يا أخي بنيامين، أنت تحمل إرث أخيك في قلبك. لا تخف من أن تعيش، أن تحلم، أن تضحك. بنيامين لا يزال معك في كل مرة تنظر فيها إلى السماء. هو مشجعك الأول من السماء، يهمس لك بأن تكمل المسيرة بقوة ورجاء. تذكر تلك الأوقات التي كنتما تحلمان فيها بمستقبلكما، وتلك الضحكات على الألعاب. هو لا يزال رفيقك، وإن كان بطريقة لا تدركها الحواس، بل يدركها القلب. إن الحب الذي جمعكما هو خيطٌ لا يمكن لأي قوة في الأرض أو في الموت أن تقطعه.
تأملوا معي في تلك الصورة الجميلة لبنيامين وهو يقف في ثوبه الأنيق، بابتسامته الواثقة التي تظهر تقويم أسنانه، يشارك والدته لحظة استراحة مع مشروب بارد. هذه اللحظات البسيطة هي التي تبني الأبدية. الله لا يطلب منا أن نكون أبطالاً خارقين في مواجهة الحزن. هو يطلب منا فقط أن نكون صادقين في ألمنا، وأن نثق بأنه هو الذي يمسح الدموع. إذا كان قلب بنيامين قد فاض بالحب وهو في الخامسة عشرة، فكم بالحري هو الآن في حضرة الحب المطلق؟
إن الحياة، كما يخبرنا سفر الأمثال، تتطلب منا أن نكون 'مستقيمين'. والعدل هو أن نحب، أن نرحم، وأن نغفر. بنيامين كان يجسد هذا العدل في بساطته. عندما تقدمون كلمة طيبة، عندما تساعدون محتاجاً، عندما تبتسمون لمن يصارع ألمه بصمت، أنتم تمدون حياة بنيامين. أنتم تجعلون قلبه الطيب ينبض في أجسادكم. لا تحاولوا أن تسرعوا في تضميد الجراح. اتركوا دموعكم تسيل إن أردتم، فالله نفسه بكى عند قبر صديقه لعازر. هو يعرف لوعة الفقد، هو يعرف ما يعنيه أن يغيب الحبيب. هو يقف معكم، يمسح دموعكم، ويقول لكم: 'إيمانكم قد خلصكم، اذهبوا بسلام'.
تذكروا حلم الأب بـ بنيامين، وهو يخبره بأنه قوي وسليم، وأن كل اختبار قد اجتازه. تلك ليست مجرد أحلام، بل هي لمحات من الحقيقة الأبدية التي ينتظرنا فيها الله. بنيامين في مكان لا ألم فيه، لا تعب، ولا انتظار. هو في مأدبة السماء، يشارك القديسين فرحهم. لا تطلبوا منه أن يعود، بل اطلبوا منه أن يصلي من أجلكم، أن يضع عائلته في قلب الله. إن الحب الذي جمعكم ببنيامين هو خيط لا يمكن لأي قوة في الأرض أو في الموت أن تقطعه.
يا من تعانون اليوم من فقدٍ أليم، يا من تشعرون أن يومكم قد انتهى قبل أن يبدأ، اسمعوا هذه الدعوة: 'اهدني يا رب في طريق وصاياك'. إن طريق الله قد يبدو وعراً، لكنه الطريق الوحيد الذي يؤدي إلى الحياة. بنيامين، بذكائه الفذ وقلبه الوديع، يعلمنا اليوم درساً أخيراً: أن الحياة لا تقاس بطولها، بل بعمق الحب الذي نتركه خلفنا. فلنكمل المسيرة، واثقين بأننا لسنا وحدنا، وبأن الحب الذي بدأ هنا، يكتمل هناك، في حضن الآب الذي لا يغيب عنه أحد.
عندما تخرجون من هنا اليوم، خذوا معكم شيئاً صغيراً: في هذا الأسبوع، عندما تشعرون بثقل الفقد، توقفوا لحظة، تنفسوا بعمق، وتخيلوا بنيامين بابتسامته الواثقة وهو يهمس لكم: 'أنا بخير يا باء، أنا في النور'. افعلوا شيئاً بسيطاً باسمه، كلمة طيبة لشخص غريب، مساعدة صغيرة، ابتسامة لمن يحتاجها. اجعلوا حبه يتدفق في العالم. كونوا أقوياء، ليس بقوتكم، بل بقوة المسيح الذي وعدنا بأنه لن يتركنا يتامى. إن الله الذي اختار بنيامين هو نفسه الذي يختاركم اليوم لتكونوا شهوداً لرجائه. ليحفظكم الله، وليمسح دموعكم، وليملأ قلوبكم بسلامٍ يفوق كل وصف، حتى نلتقي جميعاً في حضن الآب السماوي، حيث لا وداع بعد اليوم.
For the intentions entrusted to Ben on our prayer wall:
بأمر مخلصنا وتشكيلنا بالتعليم الإلهي، نجسر على القول:
أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك، كما في السماء كذلك على الأرض. أعطنا خبزنا كفاف يومنا، واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، كما نحن نغفر لمن أخطأ وأساء إلينا، ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير. آمين.
ليبارككم الرب ويحرسكم، وليجعل وجهه يضيء عليكم ويمنحكم سلامه. اذهبوا بسلام المسيح.
✝ ليبارِكْكُمُ اللهُ القَدير، الآبُ والابْنُ والرّوحُ القُدُس. آمين.