باسم الآب والابن والروح القدس. نلتقي اليوم في حضور الرب المحي لنرفع قلوبنا بالصلاة والتسبيح، مستندين إلى نعمة إلهنا الذي يحيطنا برحمته في كل حين.
يا رب، يا من ترتفع عظمتك فوق السموات، ارحمنا. يا مسيح، يا من تجلس عن يمين الآب وترعى كنيستك، ارحمنا. يا رب، يا من تقوي قلوبنا بالروح القدس، ارحمنا.
تخيلوا معي مشهداً هادئاً، تماماً كتلك اللحظات التي كان فيها بنيامين الصغير يقف مع أخيه رايان عند سلم الطائرة تحت سماء صيفية صافية، بحقائبهما الجاهزة، يلتفت بابتسامة هادئة ليودع الأرض ويستعد لرحلة جديدة. لم يكن بنيامين مجرد فتى يمتلك عقلاً فذاً يسبق سنه في الرياضيات والبرمجة والأنظمة السحابية، بل كان يحمل في عينيه ذلك الشغف النقي بكل ما يرتفع نحو السماء. أتذكرون كيف كان يبتسم ببراءة عندما يتحدث عن شركته الخيالية 'كون تشيم إيرلاينز'؟ كان يرى في الطائرات والغيوم هُندسة إلهية واسعة، كأن روحه كانت تدرك بالفطرة أن الإنسان لم يُخلق ليبقى محصوراً في التراب، بل وُجد لتحليق أعمق بكثير.
واليوم، يضع بولس الرسول أمامنا في رسالته إلى أهل أفسس صورة مذهلة لهذا العلو الإلهي. يقول لنا وهو يصلي من أجل المؤمنين: «لكي يعطيكُم إلهُ ربِّنا يسوع المسيح، أبو المجد، روحَ الحكمة والاعلان في معرفته، مُستنيرةً عيونُ قلوبكم، لتعلموا ما هو رجاء دعوته». تأملوا في هذه العبارة: عيون القلوب المستنيرة. هناك رؤية تخص العين الجسدية، وهناك رؤية أخرى أخفى وأعمق، يراها من يحملون في صدورهم بساطة الأطفال وسلام الأحباء. بنيامين، الذي قضى خمسة عشر ربيعاً يكتشف العالم من بكين إلى لورد ومن أقصى الأرض إلى أدناها، كان يمتلك تلك العين الداخلية. لم يكن يقيس الأشياء بعدد الأيام، بل باتساع المحبة.
دعونا نتوقف هنا، وقفة صدق أمام الألم الذي ربما يثقل كاهل البيت اليوم. مرّت أربعة أشهر منذ أن أنهى بنيامين رحلته الأرضية في الثالث عشر من يونيو من هذا العام 2026، ليعبر إلى ذلك Banquet of Heaven، المأدبة السماوية التي يترأسها المسيح القائم. يا آلان، يا تاو، يا رايان، أعلم أن البيت الذي كان يضج بذكاء بنيامين، وحكاياته التي كان يستمع إليها والده باهتمام بالغ، يمر اليوم بصمت ثقيل. أحياناً يتسلل إلى أعماق قلوب الآباء والأمهات ذلك السؤال الصامت الثقيل: هل فاتنا شيء؟ هل كان بإمكاننا أن نراقب أكثر أو نصنع شيئاً يغير المجرى؟ أرفع عن قلوبكم هذا الحجر الثقيل بكلمة حق قاطعة: لا لوم عليكم. الله لا يرسل المرض كعقاب، ولا يكتب الأقدار ليختبر قسوة القلوب. بنيامين لم يرحل بسبب غفلة أو تقصير منكم، فقد كنتم له المرفأ والدفء والحضن الذي لم ينقطع قط. بعض الآلام تأتي من خارج كل سيطرة بشرية، ولا تحملون وزر ما لا يد لكم فيه. استريحوا من هذا العذاب الداخلي، ولا تتهموا أنفسكم، فالله لا يحاسب المحبين، وقد كان بنيامين يعلم تماماً كم أحببتموه.
انظروا إلى براءة هذا الفتى وعمق قلبه. تذكروا تلك اللحظة عندما أراد أن يهب كل ما في حصالته لعمه وليام الذي كان يصارع المرض. لم يكسر الحصالة، ولم يفرغها، بل عرض. عرضٌ بسيط صادر عن قلب لا يعرف الأنانية، قلب أراد أن يمنح كل ما يملكه لمن يحب. هذا هو العطاء الحقيقي الذي لا يقاس بالمال بل بمدى نقاء الروح. ومثلما امتدت محبته في تفاصيل حياة من حوله، تبقى روحه حية في كل عمل طيب يُصنع بخفاء.
يقول يسوع في إنجيل اليوم بحسب لوقا: «كلُّ من يعترف بي قدام الناس، يعترف به ابن الإنسان قدام ملائكة الله». بنيامين اعترف بالرب بحياته الهادئة، باحترامه العميق لوالديه، وببهجته التي شاركها مع أخيه رايان وسائر العائلة. وحين يتحدث يسوع عن الروح القدس الذي يعلمنا ماذا نقول في ساعات الضيق، فإنه يخبرنا أننا لسنا وحدنا أبداً. الروح نفسه يشفع فينا بأنّات لا تُنطق. عندما يشتاق البيت لضحكة بنيامين، أو عندما تشرق ذكرياته في قلب أخيه رايان وهما يتشاركان ركوب القطارات السريعة أو تذكر الأيام الجميلة، فاعلموا أن هذا الرابط لا ينكسر بالموت. المحبة أقوى من الموت بكثير.
إلى كل من يتابعنا اليوم من بعيد، وإلى كل طفل يتألم، وإلى كل عائلة تحمل صليباً ثقيلاً في صمت الليل: لا تخافوا. المسيح الذي رفعه الآب فوق كل رئيس وسلطان، هو نفسه الذي يقترب من أوجاعكم ويمسح الدموع الخفية. أنتم مرئيون عند الله، وشعيرات رؤوسكم جميعاً محصاة.
عندما تغادرون هذا المكان اليوم، احملوا معكم شيئاً صغيراً وعملياً: تذكروا ابتسامة بنيامين، وقولوا كلمة طيبة لمن يصارع تعب الحياة. افعلوا عملاً صالحاً بخفاء باسمه. وليحفظ الله عائلته، وليمنح آلان وتاو ورايان السلام الذي يفوق كل وصف، حتى يجمعنا النور الأبدي يوماً حيث لا وداع ولا ألم. آمين.
For the intentions entrusted to Ben on our prayer wall:
بأمر مخلصنا وتشكيلنا بالتعليم الإلهي، نجسر على القول:
أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك، كما في السماء كذلك على الأرض. أعطنا خبزنا كفاف يومنا، واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، كما نحن نغفر لمن أخطأ وأساء إلينا، ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير. آمين.
ليبارككم الله القدير، الآب والابن والروح القدس، وليحفظ خطاكم في سلامه ويجمعنا دائماً في محبته. آمين.
✝ ليبارِكْكُمُ اللهُ القَدير، الآبُ والابْنُ والرّوحُ القُدُس. آمين.