باسم الآب والابن والروح القدس. نرحّب بكم جميعاً في هذا اللقاء المبارك حيث نجتمع حول كلمة الله لنستمد منها العزاء والسلام.
يا رب، يا من ترتضي بانسحاق القلوب، ارحمنا. يا مسيح، يا رجاء من لا رجاء له، ارحمنا. يا رب، يا من تقيمنا من الموت إلى الحياة، ارحمنا.
تخيلوا معنا ذلك المشهد الهادئ في ركن من أركان البيت، حيث يجلس فتى في الخامسة عشرة من عمره أمام شاشته بهدوء تام، مستسقياً أفكاراً لا تليق بسنواته الصغيرة بل بعقول الكبار. كان بنيامين، أو بن كما يناديه من أحبه، يبتسم في سره وهو يتخيل تفاصيل شركة طيران صممها بفكره البارع وأطلق عليها اسم 'كون تشيم إيرلاينز'. لم يكن بن مجرد مراهق يدرس التقنية، بل كان روحاً تتأمل بفضول مذهل كيف يمكن لعالمنا الصغير أن يتسع للأحلام. كان يرى في الطائرات الكبيرة الممتدة في الأفق رمزا للحرية والارتقاء، وكأن روحه كانت تتمرن مبكراً على التحليق بعيداً عن ضيق هذه الأرض.
ثم نقرأ اليوم في رسالة بولس الرسول إلى أهل أفسس تلك الكلمات العميقة التي ترسم ملامح العلاقة الأسمى بين المسيح والكنيسة، وتنعكس على بيوتنا وعائلاتنا: «أيها الرجال، احببوا نساءكم كما أحب المسيح الكنيسة وأسلم نفسه من أجلها». تأملوا في هذه التضحية، في هذا الحب الذي لا يبحث عن ذاته بل يبذل كل شيء. إن بن، في براءته العميقة وعطائه الفطري، كان يعكس شيئاً من هذا النقاء. تذكروا كيف أنه، في لحظة صدق ناصعة، أراد غير مرة أن يمنح كل ما يملكه في حصالته الصغيرة لمساعدة عمه الذي كان يصارع المرض. لم يكسر الحصالة ولم يفرغها، بل عرض. كان العرض بحد ذاته صادراً عن قلب لا يعرف الأنانية، قلب أراد أن يمنح كل ما يملكه لمن يحب. هذا العطاء الخفي، هذا الاستعداد للحب المطلق، هو الثمر الذي زرعه الله في روح بن، وهو يعلمنا كيف يكون الحب الحقيقي الذي يتبعه البذل بلا حساب.
وفي إنجيل لوقا، يقربنا يسوع أكثر من سر الملكوت، فيحدثنا عن تلك الحبة الصغيرة من الخردل التي يزرعها إنسان في حديقته فتنمو وتصير شجرة كبيرة تأوي طيور السماء، وعن الخميرة التي تأخذها المرأة فتخبئها في ثلاثة أكياس من الدقيق حتى يخمر العجين كله. ما أصغر هاتين الصورتين، حبة خردل وقليل من الخميرة، وما أعظم ما تفعلاه في الصمت! هكذا كان حضور بن في حياتكم، حبة صغيرة زرعت في بيتكم فرحاً لا يزول، وخميرة من الحب الطاهر التي تفاعلت بصمت لترفع روح العائلة بأكملها.
أربعة أشهر مرت منذ أن عبر بنيامين إلى مأدبة السماء في الثالث عشر من يونيو من هذا العام 2026. أيتها الأم الفاضلة تاو، أيها الأب الحبيب آلان، ويا رايان يا رفيق الدرب وأخا الروح، أعلم تماماً كم هو قاسي هذا الغياب، وكم هي ثقيلة تلك اللحظات التي يمر فيها صمت البيت ليذكّر بالفراغ الذي خلفه رحيل بن. في هدوء الليل، حين يتردد صدى الأيام القديمة وتتداخل الأحلام والذكريات، ربما يتسلل إلى أعماق قلوبكم ذلك السؤال المتعب: لماذا؟ هل كان هناك شيء فاتنا؟ هل كان بإمكاننا أن نغير شيئاً في مسار الأقدار؟
اليوم، أريد أن أرفع هذا الحجر الثقيل عن صدوركم بكلمة حق واضحة ونقية كصوت السماء: لا لوم عليكم. الله لا يرسل المرض كعقاب، ولا يكتب الأقدار ليختبر قسوة القلوب. بنيامين لم يرحل بسبب غفلة، ولم يكن تعبه ناتجاً عن أي تقصير منكم. كنتم له المرفأ والحضن والدفء الذي لم ينقطع قط، وكنتم له الأمان الذي استند إليه طوال أيامه. بعض الآلام تأتي من خارج كل سيطرة بشرية، ولا تحملون وزر ما لا يد لكم فيه. استريحوا من هذا العذاب الداخلي، ولا تتهموا أنفسكم، فالله لا يحاسب المحبين على أقدار وحدها أيدي السماء تعرف غايتها. لقد كنتم له كل شيء، وهو الآن في حضن من هو أعظم من كل شيء.
تأملوا في عمل الخميرة في العجين. إنها لا تصخب ولا تصرخ، بل تعمل بهدوء من الداخل حتى يرتفع الخبز كله. بن يعمل اليوم في قلوبكم كخميرة رجاء مقدسة. عندما تتذكرون شغفه بالطائرات، وعندما تبتسمون وأنتم تذكرون أفكاره البريئة عن 'كون تشيم إيرلاينز'، اعلموا أن حضوره لم ينتهِ، بل تحول إلى قوة خفية ترفع أرواحكم نحو الأعلى حيث يحلق هو الآن بلا تعب ولا ألم.
إلى كل من يتابعنا اليوم من مكان بعيد، وإلى كل عائلة تحمل صليباً ثقيلاً في صمت، وإلى كل طفل يصارع الألم في مستشفى مظلم، وإلى الأمهات والآباء الذين يبكون بصمت في بيوتهم: اعلموا أنكم لستم وحدكم. الله يرى دموعكم ويحصي تنهداتكم. إن صليبكم ليس إهمالاً من الله، بل هو دعوة لأن تقتربوا أكثر من قلبه الكلي الرحمة.
عندما تغادرون هذا المكان اليوم، احملوا معكم هذا الشيء الصغير والعملي: لا تثقلوا أيامكم باللوم، بل اتركوها تسقط عند قدمي الصليب. افعلوا شيئاً صغيراً وخفياً باسم بن—ابتسامة لمن تعب، كلمة طيبة لمن انحنى ظهره، أو التفاتة حب لمن تحبون. دعوا حب بنيامين يستمر حياً نابضاً من خلالكم. وليحفظ الله عائلتكم، وليمسح دموعكم، وليبقى سلام المسيح يملأ بيوتكم وقلوبكم إلى الأبد. آمين.
For the intentions entrusted to Ben on our prayer wall:
بأمر مخلصنا وتشكيلنا بالتعليم الإلهي، نجسر على القول:
أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك، كما في السماء كذلك على الأرض. أعطنا خبزنا كفاف يومنا، واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، كما نحن نغفر لمن أخطأ وأساء إلينا، ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير. آمين.
ليبارككم الله القادر على كل شيء، الآب والابن والروح القدس، وليحفظ خطواتكم في السلام إلى الأبد. آمين.
✝ ليبارِكْكُمُ اللهُ القَدير، الآبُ والابْنُ والرّوحُ القُدُس. آمين.