باسم الآب والابن والروح القدس. نلتقي اليوم لنقف في حضرة الله، واثقين أن كلمته هي السراج الذي ينير عتمة أيامنا والرجاء الذي يحيي قلوبنا.
يا رب، ارحم. يا مسيح، ارحم. يا رب، ارحم.
في صباحٍ عادي، وفي لحظة تبدو عابرة، قد نجد أنفسنا نتأمل في حبة قمح صغيرة في كف اليد. إنها تبدو صلبة، جافة، وربما ميتة في ظاهرها. لكننا نعلم، في عمق إيماننا، أن هذه الحبة تحمل في طياتها وعداً بحصاد لا يُحصى. إنها لا تكتمل إلا إذا تخلت عن قشرتها، إلا إذا سقطت في التربة، إلا إذا توارت عن الأنظار لتبدأ رحلة التحول. هذه الصورة التي يقدمها لنا القديس بولس اليوم في رسالته إلى أهل كورنثوس ليست مجرد تشبيه زراعي، بل هي جوهر رحلتنا البشرية، وهي المرآة التي نرى فيها اليوم حياة بنيامين.
تأملوا معي في بنيامين، في تلك الصورة التي لا تغيب عن البال: ذلك الفتى الذي يقف حافياً على درج أبيض صغير في باحة منزله، ناظراً إلى الكاميرا بهدوء ووداعة، بقميصه الرمادي البسيط. لم يكن بنيامين مجرد عقلٍ عبقري يفكك شفرات البرمجة أو يغوص في تعقيدات السحابة الإلكترونية. كان روحاً نقية، كانت تفيض بفضول لا يعرف الكلل، وبقلب يمتلك شجاعة أن يحلم بـ 'كون تشيم إيرلاينز' ويضحك بملء صوته حين يتحدث عن طائراته. بنيامين كان 'حبة القمح' التي زرعت في حياتكم، يا آلان ويا تاو، وفي حياة أخيه رايان. لقد كانت حياته قصيرة في مقاييس الزمن، لكنها كانت مليئة بـ 'الغلّة' التي لا تذبل: الحب، اللطف، والذكاء الذي كان دائماً في خدمة الآخرين.
أعرف أن الصمت في البيت قد يكون ثقيلاً في هذه الأشهر الثلاثة. أعرف أن صباحاتكم قد لا تزال تبحث عن ذلك الصوت المعتاد الذي يحييكم بـ 'صباح الخير يا أبي' في كل مرة ينزل فيها بنيامين إلى الطابق الأرضي. وأعرف أن الحزن أحياناً يباغتكم في لحظات الهدوء، هامساً بأسئلة لا تجد لها جواباً في كتب المنطق: 'لماذا؟ هل كان هناك شيء فاتنا؟ هل كان بإمكاننا أن نغير المسار؟'. أريد أن أرفع هذا الحجر عن صدوركم اليوم، بكلمات واضحة كالنور: لا لوم عليكم. الله لا يرسل المرض كعقاب، ولا يكتب الأقدار ليختبر قسوة قلوبنا. بنيامين لم يرحل بسبب غفلة، ولم يكن تعبه نتيجة أي تقصير منكم. لقد كنتم له المرفأ، والحضن، والدفء الذي لم ينقطع قط. الله لا يتهمكم، بل هو الذي يضمكم في ألمه اليوم. لا تحملوا وزر ما لا يد لكم فيه، فالله لا يحاسب المحبين على أقدار لا يملكون مفاتيحها.
في إنجيل لوقا اليوم، يتحدث يسوع عن الزارع. بعض البذور تسقط على الطريق، وبعضها بين الأشواك، وبعضها في تربة جيدة. بنيامين كان تلك التربة الجيدة التي قبلت كلمة الله بقلب سخي. لقد كان صبياً يمتلك قلباً مستعداً للعطاء، تماماً كما في تلك اللحظة التي عرض فيها بصدق أن يهب كل مدخراته لعمه المريض. لم يكسر الحصالة، ولم يفرغها، بل 'عرض'. هذا العرض، هذا النبل الصغير، هو الثمرة التي تظهر نوع الشجرة. إنها ثمرة الحب الذي لا يعرف الحساب. بنيامين لم يكن يملك الكثير من المال، لكنه كان يملك كل شيء لأنه كان يملك قلباً مستعداً للتضحية. هذا الحب لا يزال يتدفق، تماماً كما يتدفق الماء من البئر الذي يحمل اسمه في فيتنام. كل قطرة تروي عطشاً هناك هي صدى لروح بنيامين التي ترفض أن تنتهي.
بولس الرسول يخبرنا: 'يُزرع جسداً طبيعياً، ويُقام جسداً روحياً'. بنيامين ليس غائباً في غياهب الفراغ. هو ليس ذكرى باهتة في إطار صورة. هو الآن يرى 'وجهاً لوجه' ما كنا نراه نحن 'في مرآة ولغز'. هو يطير في فضاءات الأبدية، أكثر حرية من أي طائرة كان يحلم بتصميمها. يا رايان، أنت تحمل إرث أخيك في قلبك. لا تخف من أن تعيش، أن تحلم، أن تضحك. بنيامين لا يزال معك في كل مرة تنظر فيها إلى السماء. هو مشجعك الأول من السماء، يهمس لك بأن تكمل المسيرة بقوة ورجاء. تذكر تلك الأوقات التي كنتما تحلمان فيها بمستقبلكما، وتلك الضحكات على الألعاب. هو لا يزال رفيقك، وإن كان بطريقة لا تدركها الحواس، بل يدركها القلب.
قد تتساءلون: كيف نعيش في ظل هذا الفقد؟ الجواب يكمن في 'الاستمرار في العطاء'. كما أن حبة القمح يجب أن تموت لتثمر، فإن حب بنيامين قد تحرر من قيود الجسد ليثمر في العالم. عندما تقدمون كلمة طيبة، عندما تساعدون محتاجاً، عندما تبتسمون لمن يصارع ألمه بصمت، أنتم تمدون حياة بنيامين. أنتم تجعلون قلبه الطيب ينبض في أجسادكم. لا تحاولوا أن تسرعوا في تضميد الجراح. اتركوا دموعكم تسيل إن أردتم، فالله نفسه بكى عند قبر صديقه لعازر. هو يعرف لوعة الفقد، هو يعرف ما يعنيه أن يغيب الحبيب. هو يقف معكم، يمسح دموعكم، ويقول لكم: 'إيمانكم قد خلصكم، اذهبوا بسلام'.
تذكروا حلم الأب بـ بنيامين، وهو يخبره بأنه قوي وسليم، وأن كل اختبار قد اجتازه. تلك ليست مجرد أحلام، بل هي لمحات من الحقيقة الأبدية التي ينتظرنا فيها الله. بنيامين في مكان لا ألم فيه، لا تعب، ولا انتظار. هو في مأدبة السماء، يشارك القديسين فرحهم. لا تطلبوا منه أن يعود، بل اطلبوا منه أن يصلي من أجلكم، أن يضع عائلته في قلب الله. إن الحب الذي جمعكم ببنيامين هو خيط لا يمكن لأي قوة في الأرض أو في الموت أن تقطعه.
عندما تخرجون من هنا اليوم، خذوا معكم شيئاً صغيراً: في هذا الأسبوع، عندما تشعرون بثقل الفقد، توقفوا لحظة، تنفسوا بعمق، وتخيلوا بنيامين بابتسامته الواثقة وهو يهمس لكم: 'أنا بخير يا باء، أنا في النور'. افعلوا شيئاً بسيطاً باسمه، كلمة طيبة لشخص غريب، مساعدة صغيرة، ابتسامة لمن يحتاجها. اجعلوا حبه يتدفق في العالم. كونوا أقوياء، ليس بقوتكم، بل بقوة المسيح الذي وعدنا بأنه لن يتركنا يتامى. إن الله الذي اختار بنيامين هو نفسه الذي يختاركم اليوم لتكونوا شهوداً لرجائه. ليحفظكم الله، وليمسح دموعكم، وليملأ قلوبكم بسلامٍ يفوق كل وصف، حتى نلتقي جميعاً في حضن الآب السماوي، حيث لا وداع بعد اليوم.
For the intentions entrusted to Ben on our prayer wall:
بأمر مخلصنا وتشكيلنا بالتعليم الإلهي، نجسر على القول:
أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك، كما في السماء كذلك على الأرض. أعطنا خبزنا كفاف يومنا، واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، كما نحن نغفر لمن أخطأ وأساء إلينا، ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير. آمين.
ليباركنا الله الآب والابن والروح القدس، ويمنحنا سلامه الذي يفوق كل عقل. آمين.
✝ ليبارِكْكُمُ اللهُ القَدير، الآبُ والابْنُ والرّوحُ القُدُس. آمين.