باسم الآب والابن والروح القدس. الإله الواحد، آمين. السلام لكم ولبيوتكم في هذا اليوم المبارك الذي نحيي فيه تذكار شهادة القديس يوحنا المعمدان، داعين الله أن يملأ قلوبكم بالتعزية والسلام والرجاء الحقيقي.
يا رب، يا من تقوي الضعفاء في شدائدهم، ارحمنا. يا مسيح، يا من تروي عطش نفوسنا بماء الحياة، ارحمنا. يا رب، يا من تفتح لنا أبواب ملكوتك السماوي، ارحمنا.
أيها الإخوة والأخوات الأحباء في المسيح،
تخيلوا معي زنزانة مظلمة، باردة، تحت قلعة ماكيروس الصحراوية. الجدران الحجرية السميكة تحجب ضوء الشمس، ولا يُسمع في الداخل سوى صوت قطرات ماء شحيحة تسقط في زاوية مظلمة، أو صدى خطوات الحراس الثقيلة في الممرات. في هذه العتمة، يجلس رجل. رجل لم يلبس الثياب الناعمة، ولم يعش في قصور الملوك. إنه يوحنا المعمدان. صوته الذي هز برية اليهودية وصنع ثورة في القلوب، صار الآن حبيس الجدران. ولكن، رغم القيد، ورغم الظلمة، كان هناك شيء في ذلك السجن يفيض بالحياة... كان هناك نبع خفي من السلام لا يمكن لأسوار القلعة أن تخنقه.
وعلى بعد خطوات قليلة فوق تلك الزنزانة، في قاعة الاحتفالات الكبرى، كان هناك مشهد مغاير تماماً. موسيقى صاخبة، كؤوس خمر تترنح، ضحكات متعالية، ومائدة تفيض بما لذ وطاب. هيرودس يحتفل بعيد ميلاده وسط كبار رجاله وقادته. كل شيء في الأعلى يصرخ بالقوة والجاه والبهجة المصطنعة. ولكن، في الحقيقة، كان ذلك البهو هو القبر الحقيقي. كان قلباً جافاً، يابساً، يملأه الخوف والتردد والرياء. وفي النهاية، من أجل رقصة، ومن أجل قسم أخرق أمام الضيوف، يُقطع رأس أعظم من ولدته النساء... ويُقدم على طبق.
هذه الصورة، صورة الطبق الجاف الذي يحمل الموت، في مقابل نبع الماء الحي الذي يمثله يوحنا، هي المحور الذي نريد أن نتأمل فيه اليوم. يوحنا المعمدان مات في زنزانة جافة، لكن شهادته ومحبته تفجرتا كالينابيع في العالم كله.
...
لقد مضى الآن حوالي شهرين... شهران كاملان منذ ذلك اليوم الحزين، الثالث عشر من حزيران لعام ٢٠٢٦، عندما غادرنا بنيامين فو.
شهران. وهي فترة كافية لكي يدرك القلب أن الغياب ليس كابوساً عابراً سنستيقظ منه، بل هو حقيقة يومية ثقيلة. في هذه الأيام، يبدأ الصمت في أرجاء البيت يصبح مسموعاً بشكل مؤلم. الكرسي الفارغ، شاشة الحاسوب التي طالما شهدت على عبقريته وشغفه، النماذج الصغرى للطائرات والطيور التي كان يحبها... كل تفصيل صغير في البيت ينطق بالشوق. الحقيقة هي أن الفراق يشبه تلك الزنزانة المظلمة؛ يحيط بنا بجدران من الحزن، ويحاول أن يقنعنا بأن الظلمة هي النهاية.
يا آلان، ويا تاو، ويا رايان... أعلم أن قلوبكم في هذه الأيام قد تشعر بالجفاف. قد تتساءلون في صمت الليل: كيف يمكن للأرض أن تستمر في الدوران، وكيف يمكن للناس أن يضحكوا، بينما غاب عن دنيانا ذلك الفتى العذب، صاحب الابتسامة المشرقة التي كانت تضيء عتمة الأيام؟ كيف يمكننا أن نجد التعزية بينما الجرح ما زال طرياً، والشوق يعصر الروح في كل صباح ومساء؟
اسمحوا لي اليوم أن أضع يدي على هذا الجرح برفق شديد. في لحظات الفقدان الكبير، قد يتسلل لوم الذات إلى أعمق زوايا النفس. قد يهمس الشرير في قلوب المحبين: "لو أننا انتبهنا أكثر... لو أننا فعلنا كذا... ربما كانت النتيجة مختلفة".
أريدكم أن تصغوا إلى صوت يسوع اليوم، الصوت الذي يرفع عن كاهلكم هذا الحمل الثقيل الذي لا ذنب لكم فيه. عندما سأل التلاميذ يسوع عن الرجل الأعمى: "من أخطأ، هذا أم أبواه؟"، أجابهم بوضوح: "لا هذا أخطأ ولا أبواه". المرض والألم ليسا عقاباً من الله، وليسا نتيجة تقصير أو إهمال بشري. Benjamin كان محاطاً بأعظم حب، وبأقصى درجات الرعاية والصلاة التي يمكن لبشر أن يقدمها. أنتم يا آلان وتاو، لم تتركوا باباً إلا وطرقscoreتموه، ولم تدخروا قطرة جهد واحدة من أجل سلامته. لا تلوموا أنفسكم أبداً؛ فالله الذي هو الحب ذاته، يرى تضحياتكم الصامتة، ويقدس دموعكم، وهو لا يتهمكم بل يضمكم إلى صدره الأبوي ليمسح جراحكم.
...
وهنا يقع التحول العظيم في تأملنا اليوم.
يقول القديس بولس في القراءة الأولى إلى أهل كورنتوس: "بل اختار الله ما كان في العالم غبياً ليخزي الحكماء، واختار الله ما كان في العالم ضعيفاً ليخزي الأقوياء، واختار الله ما كان في العالم دنيئاً ومرذولاً وغير موجود ليبطل الموجود، لكيلا يفتخر بشر أمام الله".
في منطق هذا العالم، القوة تقاس بالبطش، والنجاح يقاس بطول العمر وتراكم الأموال. هيرودس كان يظن نفسه قوياً لأنه يملك سيف السياف ويجلس على العرش. ولكن في منطق الله، القوة الحقيقية تكمن في الوداعة، وفي نقاء القلب، وفي الاستعداد للعطاء دون مقابل.
بنيامين فو، بذكائه الفائق الاستثنائي، كان قادراً على مضاهاة الكبار في عوالم التكنولوجيا والبرمجة والرياضيات. كان يملك عقلاً يسبق سنه بسنوات طويلة، يغوص في الذكاء الاصطناعي وبناء التطبيقات. ولكنه، رغم كل هذا النبوغ، لم يكن يفتخر بذكائه. لم يكن يبحث عن المظاهر البراقة. بل كان يملك تلك الوداعة التي جعلت منه "أحلى ولد"، مطيعاً، محترماً، ودائماً مبتسماً بابتسامته التي تزينها تقويم الأسنان، تلك الابتسامة التي تنضح بالبراءة والنقاء.
لقد كان Ben يحب الحياة ببساطة مذهلة. كان يعشق الطيور والطائرات، وكان يبتسم ويضحك من قلبه كلما شارك عائلته فكرته الطفولية المرحة عن تأسيس شركة طيران خيالية أسماها "Con Chim Airlines". كان يحب أن يجلس بجانب والده آلان، يستمع بشغف لا يرتوي إلى قصصه وحكاياته. هذا الشغف البسيط، هذا النقاء في الاستماع وفي الحب، هو القوة الحقيقية التي لا يمكن للموت أن يغلبها.
وهنا نرى كيف يربط الله بين تذكار يوحنا المعمدان (Gioan Baotixita) وبين حياة Benjamin. ففي فيتنام، في منطقة "كا ماو"، هناك بئر للماء النظيف حُفرت وتم تدشينها باسم بنيامين، وحملت اسم "Giếng Gioan Baotixita" (بئر يوحنا المعمدان).
تأملوا في هذه المفارقة الإلهية العجيبة! يوحنا المعمدان، الذي قُطع رأسه في قلعة جافة ومات عطشاً للعدالة، يتدفق اسمه اليوم كبئر ماء نقي يروي عطش العائلات والفقراء في فيتنام، تخليداً لذكرى فتى يحمل اسم "Benjamin Đại Dương" — وبالمناسبة، اسمه الأوسط "Đại Dương" يعني "المحيط العظيم".
هذا هو عمل الله! الموت يحاول أن يجفف كل شيء، ولكن حب الله يحول الذكرى إلى نبع ماء حي. تلك البئر ليست مجرد مشروع خيري، بل هي علامة حية على أن حب بنيامين ونقاء روحه لا يزالان يتدفقان في هذا العالم. كل قطرة ماء يشربها طفل عطشان من تلك البئر هي صلاة ترتفع إلى السماء، وهي تأكيد على أن حياة Ben، وإن كانت قصيرة بحسابات السنين، فإنها ممتدة وعميقة بعمق المحيط في حسابات الملكوت.
...
يا آلان ويا تاو...
عندما تشعران بالجفاف الروحي، وتظنان أن دموعكما قد استنفدت كل الرجاء، انظرا إلى تلك البئر. انظرا إلى "Giếng Gioan Baotixita". تذكرا أن ابنكما ليس في القبر الصامت. إنه في "مأدبة السماء"، يجلس مع القديس الشاب كارلو أكوتيس، يتبادلان الأحاديث التي طالما أحبها عن التكنولوجيا والابتكار، ولكن في حضرة الخالق العظيم. إنه يتنفس بحرية كاملة الآن، محاطاً بنور المسيح، ولم يعد هناك ألم ولا تعب. إنه يراقبكما بابتسامته العذبة ذاتها، ويقول لكما: "أنا بخير، فلا تخافا".
ويا رايان العزيز، يا شقيق بن الحبيب وأفضل أصدقائه...
أعلم كم تشتاق إلى رفيق دربك، وإلى الضحكات التي تقاسمتماها معاً. Benjamin يريدك اليوم أن تكون قوياً. يريدك أن تواصل مسيرتك، أن تدرس، وتلعب، وتكبر، وتحمل في قلبك تلك الشعلة التي أضاءها في حياتك. كل نجاح تحققه، وكل ابتسامة ترسمها على وجهك، هي تكريم حقيقي لأخيك الذي يحبك ويحميك من السماء. عِش من أجله، ودع روحه الطيبة تكون الدافع لك في كل خطوة تخطوها.
إلى كل الأقارب والأصدقاء، وإلى أولئك الذين يتابعوننا من بعيد، خاصة العائلات التي تحمل صليب الفراق الثقيل، أو التي تعاني مع مرض أطفالها...
المسيح لا يقف متفرجاً على آلامنا. إنه يبكي معنا كما بكى على قبر لعازر. صليب يوحنا المعمدان، وصليب بنيامين، ليسا نهاية القصة. فبعد الجمعة العظيمة تأتي دائماً قيامة الأحد. الرجاء المسيحي ليس تخديراً للألم، بل هو اليقين بأن الحب أقوى من الموت، وأن اللقاء في بيت الآب حتمي وأبدي.
...
عندما تخرجون من هذه الصلاة اليوم، لا تحملوا معكم ثقل الحزن والتراب، بل احملوا معكم صورة الماء المتدفق من بئر يوحنا المعمدان.
أطلب منكم اليوم التزاماً واحداً صغيراً وملموساً:
في هذا الأسبوع، عندما تفتحون صنبور الماء في بيوتكم لتشربوا أو لتغسلوا وجوهكم، توقفوا لثانية واحدة صامتة. تذكروا بئر بنيامين في فيتنام. ارفعوا صلاة قصيرة من أجل راحة نفس Benjamin Đại Dương، ومن أجل تعزية عائلته. واجعلوا من تلك اللحظة عهداً بأن تقدموا لفتة حب بسيطة وصامتة لشخص عطشان إلى كلمة طيبة، أو ابتسامة صادقة، أو مساعدة خفية.
ليكن ذكرك مؤبداً يا بنيامين الحبيب. نم في سلام المسيح، وتحت حماية أمنا مريم العذراء، إلى أن نلتقي مجدداً في ديار النور حيث لا حزن ولا بكاء بل حياة أبدية.
آمين.
For the intentions entrusted to Ben on our prayer wall:
بأمر مخلصنا وتشكيلنا بالتعليم الإلهي، نجسر على القول:
أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك، كما في السماء كذلك على الأرض. أعطنا خبزنا كفاف يومنا، واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، كما نحن نغفر لمن أخطأ وأساء إلينا، ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير. آمين.
ليمنحكم الرب الإله تعزيته الفائقة، ويحفظ قلوبكم وعقولكم في محبته ورجائه، ويبارككم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين. اذهبوا بسلام المسيح.
✝ ليبارِكْكُمُ اللهُ القَدير، الآبُ والابْنُ والرّوحُ القُدُس. آمين.