باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين. أهلاً بكم في هذه الخدمة الليتورجية للكلمة والصلاة، حيث نلتقي بنور المسيح القائم ونستمع إلى كلمته الحيّة التي تعزي قلوبنا وتمنحنا الرجاء.
يا رب، ارحمنا. يا مسيح، ارحمنا. يا رب، ارحمنا.
تخيلوا معي ظهيرة حارة في جليل جبل الزيتون أو في قرية قانا القريبة من الناصرة…
الشمس محرقة، والتراب يرتفع مع كل خطوة، ولكن هناك، تحت أغصان تينة كبيرة، ينتشر ظل كثيف وبارد. في ذلك الظل، جلس رجل يدعى نثنائيل—وهو نفسه القديس برتولماوس الذي نحتفل بعيده اليوم.
لم يكن نثنائيل يعلم أن هناك من يراه. كان يجلس وحده، ربما يفكر، ربما يصلي، ربما يتساءل في صمت قلبه عن الماسيّا الموعود وعن المستقبل وعن ثقل الحياة. كان ظلاً خفياً، مكاناً لا يلتفت إليه أحد من المارين في الطريق العام.
وفجأة، يأتي فيلبس ويقول له: «وجدنا الذي كتب عنه موسى في الشريعة والأنبياء، يسوع ابن يوسف من الناصرة».
فأجاب نثنائيل بتلك العبارة الشهيرة التي تحمل عفوية الإنسان وصراحته المطلقة: «أمن الناصرة يمكن أن يكون شيء صالح؟».
لم يتصنع نثنائيل التقوى، ولم يجامل. قال ما في قلبه بأسلوب مباشر. ولم يغضب فيلبس، بل قال له ببساطة: «تعالَ وانظر».
وعندما اقترب نثنائيل من يسوع، لم يعاتبه الرب على شكوكه، ولم يوبخه على كلماته الصريحة. بل نظر إليه يسوع وقال عنه: «هوذا إسرائيلي حقيقي لا غش فيه».
دهش نثنائيل وسأله: «من أين تعرفني؟».
وهنا تأتي الكلمات التي تهز أعماق الروح، الكلمات التي نود أن نصغي إليها ملياً اليوم:
«قبل أن يدعوك فيلبس، وأنت تحت التينة، رأيتك».
…
تحت التينة.
هذه الصورة، أيها الأحباء، هي الخيط الذهبي الذي يربط قراءات ليتورجيتنا اليوم، وهي النافذة التي نطل منها على سر الإيمان والتعزية.
«تحت التينة» ليس مجرد موقع جغرافي في فلسطين القديمة. «تحت التينة» هو ذلك المكان الخفي في حياة كل واحد منا. إنه المكان الذي نصلي فيه حين لا يرانا أحد. إنه المكان الذي نبكي فيه حين نغلق باب الغرفة. إنه اللحظات الصامتة التي نصلح فيها أفكارنا، أو نتصارع فيها مع أوجاعنا، أو نحلم فيها بعالم أفضل. إنه المكان الذي نكون فيه على طبيعتنا تماماً، بلا أقنعة، وبلا تجميل.
إن يسوع يخبر نثنائيل—ويخبرنا نحن اليوم—بأنه كان هناك قبل أن نتكلم، وقبل أن ينادينا أحد. عين الله كانت ترقب ذلك الظل الهادئ. لقد رآه وعرفه وأحبه قبل أن يبدأ نثنائيل حتى في البحث عن المسيح.
وفي القراءة الأولى من سفر رؤيا يوحنا، يفتح لنا الإنجيل أفقاً آخر يكمل هذه الصورة. ينقلنا الملاك إلى جبل عظيم ومرتفع، ويرينا المدينة المقدسة، أورشليم الجديدة، النازلة من السماء من عند الله، وهي تتألق بمجد الله. ينظر يوحنا فيرى سور المدينة العظيم المرتفع، وله اثنا عشر باباً، وعلى السور اثنا عشر أساساً، عليها أسماء رسل الحمل الاثني عشر.
تأملوا في هذا التباين الشديد والمذهل:
رجل واحد يجلس في عزلة تحت ظل تينة في قرية مهملة… ثم يراه الله، ويختاره، ويجعله حجراً أساساً في السور الأبدي للمدينة السماوية، حجراً يضيء ببريق البلور واليشف والجمشت!
كيف يتحول المنسي تحت التينة إلى حجر أساس في ملكوت الله؟
الجواب يكمن في نظرة يسوع: «رأيتك».
نظرة المسيح ليست نظرة عابرة، بل هي نظرة تخلق الحياة، ونظرة تكتشف الجوهر الصافي في الإنسان، وتنزع عنه التراب لتبقي على الجوهر الذي لا يفنى.
المزمور اليوم يترنم بهذه الحقيقة: «أصدقاؤك يا رب يعلنون مجد ملكوتك البهي… الرب بار في كل طرقه، وقديس في كل أعماله. الرب قريب من كل الذين يدعونه، الذين يدعونه بالحق».
نثنائيل كان يدعو الله بالحق، بلا غش، وبلا مواربة. ولأن قلبه كان صادقاً، صار صديقاً للرب، وصار يعلن مجد الملكوت.
…
ولكن، دعونا نقف هنا قاطعين الطريق على أي كلام معسول يهرب من الواقع. دعونا نقول الحقيقة كاملة وبكل صداقة ومحبة قبل أن نطلب التعزية.
فالتعزية التي تأتي سريعة قبل أن تحترم عمق الوجع ليست تعزية حقيقية، بل هي مجرد مسكن مؤقت لا يلمس مكان الألم.
الحقيقة هي أننا نقف اليوم، وفي هذا اليوم بالذات، بعد مرور نحو شهرين كاملين… شهرين على ذلك اليوم الحزين، الثالث عشر من حزيران، عندما غادرنا بنجامين فو.
شهران مضيا… والبيت لم يعد كما كان.
الشمس تشرق كل صباح، والتطبيقات والرموز والبرمجيات تدور في هذا العالم السريع، ولكن هناك ركناً صامتاً في البيت، وغرفة تحتوي على أغراض Benjamin، وحاسوباً صامتاً كان يوماً ينبض بالأفكار المبتكرة والذكاء الفذ.
الفقدان يا أخوتي ليس فكرة لاهوتية مجردة. الفقدان هو أن تجلس العائلة على الطاولة وتنظر إلى الكرسي الفارغ. الفقدان هو الشوق المفاجئ الذي يهجم على الأم في منتصف النهار وهي تقوم بأعمالها العادية. الفقدان هو ذلك الحزن الصامت الذي يلف قلب الأب وهو يحاول أن يكون قوياً من أجل عائلته. الفقدان هو الأيام التي يفتقد فيها الأخ الأصغر Ryan رفيق دربه، وأنيس أفكاره، وأخاه الأكبر الذي كان يسير معه جنبًا إلى جنب.
هذا الألم حقيقي جداً. وهو ألم يعصر القلب. ولا يصحّ لأحد أن يطلب من عائلة تتألم أن «تتجاوز» أو «تنسى». فالحب الحقيقي لا ينسى، والدموع التي تسكب على فتى مثل بنيامين هي دموع مباركة ومقدسة، لأنها امتداد للمحبة التي كانت تجمعهم به.
وفي وسط هذا الحزن، وفي غمرة هذه الأيام الصعبة، قد يتسلل أحياناً إلى قلب الأب آلان أو الأم تاو ذلك الهمس الخفي والقاسي، ذلك العبء الثقيل الذي لا ذنب لهما فيه: همس لوم الذات.
«هل تقاعسنا عن شيء؟ هل كان بإمكاننا أن نفعل أمراً مختلفاً؟ هل أغفلنا علامة أو تفصيلاً؟».
استمعوا إليّ جيداً اليوم، واصغوا إلى صوت الإنجيل وهو يتردد في أروقة الكنيسة:
عندما مر يسوع ورأى رجلاً أعمى منذ ولادته، سأله التلاميذ: «يا معلم، من أخطأ: هذا أم أبواه حتى ولد أعمى؟».
أجاب يسوع بكل حسم وحنان: «لا هذا أخطأ ولا أبواه».
المرض ليس عقاباً من الله أبداً. والألم الذي يحل بأجسادنا ليس نتيجة لتقصير من آباء وأمهات أحبوا طفلهم بكل قطرة من أرواحهم. المرض والألم ينتميان إلى طبيعة هذا العالم الفاني، إلى هشاشة الأجساد، ويأتيان بلا استئذان ولا سبب أخلاقي. لا يوجد شيء قصرتم فيه، ولا تفصيل أغفلتموه، ولا عناية كان بوسع يد بشرية أن تقدمها ولم تقدموها.
لقد أحببتم Benjamin فو بحب يفوق الوصف. أحطتموه بالدفء والرعاية والحنان في كل لحظة من حياته الوجيزة المشرقة. ارفعوا هذا الحجر الثقيل عن صدوركم اليوم. الله لا يتهمكم، بل يضم دموعكم إلى صدره، وهو العليم بكل سهر سهرتموه وبكل صلاة رفعتماها.
…
وهنا… يقع التحول في القراءة وفي حياتنا.
هنا يقتحم الإنجيل ظلمات ألمنا، لا كحجة لاهوتية بل كنور هادئ يتدفق إلى الغرفة المظلمة.
يسوع الذي قال لنثنائيل: «قبل أن يدعوك فيلبس، وأنت تحت التينة، رأيتك»، هو نفسه الذي رأى Benjamin Vo.
رآه في كل لحظة من سنواته الخمس عشرة. رآه بعقله اللامع المبدع، وبفضوله الذي لا يرتوي، ورآه بقلبه الوديع الذي كان يفيض حباً واحتراماً لأبويه وشقيقه.
الله لم يبدأ بملامسة حياة بنيامين عندما اشتد عليه المرض، بل كان يراه وهو تحت «تينة» حياته الخاصة… كان يراه عندما كان يغوص في أعماق التكنولوجيا، وعندما كان يخطط بأفكاره الباهرة، وعندما كان ينظر إلى السماء ويتأمل في حركة الطائرات المجهزة للتحليق بعيداً.
تأملوا في هذه الاستعارة العميقة…
كان Ben يملك تلك البراءة والنقاء الخالي من أي تصنع، تماماً كما قال يسوع عن نثنائيل: «لا غش فيه».
أتذكرون ذلك الحلم الجميل والمعزّي الذي رآه والده آلان في الثالث والعشرين من تموز؟
حلم رأى فيه نفسه يقف مع بنيامين في طابور ينتظران شراء المثلجات… وفجأة، قام Ben بالدفع واشترى المثلجات لوالده!
تأملوا في هذه اللحظة البسيطة والعذبة…
فتى صغير يقف مع أبيه في طابور، ويصر أن يدفع هو، ليدخل السرور على قلب أبيه.
هذا الحلم لم يكن مجرد أضغاث أحلام؛ كان نافذة شفافة تنم عن روح Ben الصافية. روح تعطي، وتهتم، وتحب بأسلوب بسيط ونقي. حتى في عالم الأحلام والسلام السماوي، يظهر Benjamin بذات الروح اللطيفة، ذات الولد البار الذي يريد أن يرعى والديه ويقدم لهما البسمة.
لم يكن في قلبه غش ولا تعقيد. كان يحمل تلك الصراحة العذبة والقلب المحب الذي يجعله محبوباً من الجميع.
وعندما نرجع إلى سفر الرؤيا ونرى أسماء الرسل المكتوبة على أحجار أساسات أورشليم السماوية—ومن بينها اسم القديس برتولماوس—نعلم يقيناً أن بنيامين ليس مفقوداً في العدم. Benjamin Vo، بصلاته وبنقاوة روحه، وبالمحبة التي زرعها في أسرته، صار جزءاً من تلك المدينة المقدسة. إنه يقف اليوم مع القديسين، ومع الشباب القديسين كالقديس كارلو أكوتيس، في وليمة الملكوت السماوي، حيث لا ألم ولا حزن ولا بكاء، بل حياة أبدية ونور لا يغرب.
يا آلان ويا تاو…
يا من تحملان هذا الشوق الكبير بقلبين منكسرين وصبورين…
اصغيا إلى يسوع اليوم وهو يقول لكما: «قبل أن تنجبا بنيامين، وقبل أن تعرفا اسمه، وأنا أراه تحت تينة عنايتي الإلهية. هو لم يبتعد عني، بل هو معي الآن في النور الكامل».
ابنكما ليس مجرد ذكريات للأمس، بل هو حي في حضرة الآب السماوي. إنه يراكم برعاية ومحبة، وابتسامته الصافية لا تزال تضيء بيتكما. ثقا بأن المحبة لا تسقط أبداً، وأن الرب الذي حفظه في طفولته وشبابه يحفظه الآن بين ذراعيه الأبديتين.
ويا رايان العزيز…
أنت الأخ الذي حمل مع Benjamin أجمل الذكريات، وشاركته الضحك والألعاب والرحلات.
اعلم أن أخاك بنيامين يراك دائماً. عندما تجلس وحدك، عندما تتساءل في صمت، عندما تشعر بالفراغ… تذكر أن يسوع يراك أيضاً تحت «تينتك»، وأن أخاك Ben يبتسم لك من السماء ويريد منك أن تكون شجاعاً، وأن تواصل طريقك بنجاح وشغف ومحبة، مكملاً النور الذي بدأتماه معاً.
وإلى عموم العائلة والأقارب والأصدقاء الذين أحبوا بنيامين وشاركوا في جعل حياته زاهرة…
وإلى كل من يتابعنا اليوم من بعيد، خاصة الأسر التي تحمل صليب الفراق أو ترافق أطفالاً يعانون المرض في المستشفيات أو البيوت:
لا تشعروا بأنكم وحدكم في الظلمة. الرب الذي رأى نثنائيل تحت التينة يراكم في أوجاعكم. إنه يعرف أسمائكم، ويزن دموعكم، ويعدّ قلوبكم لمنحها السلام الذي يفوق كل عقل.
في إنجيل اليوم، يختم يسوع كلامه لنثنائيل بإنباء رائع:
«أأنك آمنت لأني قلت لك إني رأيتك تحت التينة؟ سوف ترى أعظم من هذا! الحق الحق أقول لكم: ستراون السماء مفتوحة، وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان».
هذا هو الوعد الأخير القاطع الذي نحمله معنا.
السماء ليست مغلقة. الموت لم يغلق الأبواب. لقد فتح المسيح السماء، وجعل ملائكة الله تصعد وتنزل بالتضرعات والبركات. وبنجامين فو اليوم هو جزء من تلك السماء المفتوحة، يرفل في نور المسيح ويرعى أسرته بصلاته.
عندما تخرجون اليوم من هذه الصلاة وتعودون إلى حياتكم اليومية…
لا تطلبوا أموراً معقدة.
احملوا معكم حركة واحدة بسيطة وملموسة:
ابحثوا اليوم عن شخص يجلس «تحت تينته» الخاصة—شخص يتألم في الصمت، أو يمر بضيق ولا يلاحظه أحد—وقدموا له كلمة طيبة، أو لفتة تشجيع، أو ابتسامة صادقة بلا غش ولا تصنع، تماماً كما كان Benjamin يفعل بنقاء قلبه.
لتكن حياتنا شهادة حية لبريق الملكوت السماوي، ولتكن ذكره بنيامين فو دائماً زاهرة بالمحبة والرجاء.
وليكن سلام الله، الذي يفوق كل حجا، حارساً لقلوبكم وعقولكم بالمسيح يسوع ربنا.
آمين.
For the intentions entrusted to Ben on our prayer wall:
بأمر مخلصنا وتشكيلنا بالتعليم الإلهي، نجسر على القول:
أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك، كما في السماء كذلك على الأرض. أعطنا خبزنا كفاف يومنا، واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، كما نحن نغفر لمن أخطأ وأساء إلينا، ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير. آمين.
ليبارككم الرب الكلي القدرة، الآب والابن والروح القدس، وليحفظ قلوبكم في سلامه الأبدي، الآن وكل يوم وإلى دهر الداهرين. آمين.
✝ ليبارِكْكُمُ اللهُ القَدير، الآبُ والابْنُ والرّوحُ القُدُس. آمين.