باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين. نعمة ربنا يسوع المسيح، ومحبة الله الآب، وشريكة الروح القدس مع جميعكم.
يا رب، يا من تحمل آلامنا وتجفف دموعنا، ارحمنا. يا مسيح، يا من بذلت نفسك ذبيحة حية من أجل خلاصنا، ارحمنا. يا رب، يا من تقودنا عبر وادي الظلام إلى نور قيامتك، ارحمنا.
تأملوا معي في هذه الصورة البسيطة والمؤلمة التي يضعها الإنجيل والمزمور أمام عيوننا اليوم...
أرض ترابية جافة، تشققت من شدة الحرارة. لا قطرة ماء واحدة تبلل أرجاءها. الغبار يملأ الهواء، والشمس تحرق كل شيء حياً. وفي وسط هذه البرية القاحلة، يصرخ صاحب المزمور بصوت خافت يعصره التعب: «عطشت إليك نفسي، وشاق إليك جسدي، في أرض ناشفة ومجهدة لا ماء فيها»... وفي زاوية أخرى من التاريخ، يجلس النبي إرميا، وحيداً، منكسراً، مستهزأً به من الجميع. ينظر إلى السماء ويهمس بكلمات تشبه النحيب: «قد أغويتني يا رب فغويت، وأنت أشد مني فغلبت... وقلتُ لا أذكره ولا أتكلم بعدُ باسمه. فكان في قلبي كنار محرقة محصورة في عظامي، فتعبتُ من الاحتفاظ بها ولم أستطع».
هذه الصورة — صورة «النار المحصورة في العظام» وسط «الأرض الجافة» — هي الخيط الذي ينبغي أن نمسك به اليوم ونحن نصغي إلى كلمة الله. إنها ليست مجرد استعارة شعرية؛ بل هي تجربة إنسانية روحية عميقة يمر بها كل من أحب الله بصدق، وكل من حمل صليباً ثقيلاً في هذا العالم.
...
دعونا نتوقف عند إرميا النبي لبرهة.
إرميا لم يكن رجلاً يبحث عن المتاعب. لم يكن يريد أن يكون نبياً يصرخ بالويل والخراب. كان يريد حياة هادئة بسيطة. لكن كلمة الله دخلت إلى أحشائه كالنار. كان يريد أن يصمت، أن يغلق فمه، أن يستريح من هزء الناس وسخريتهم. قال في نفسه: «لن أذكره بعد، لن أتكلم باسمه». كم منا قال هذه الكلمة في سرّه عند خيبة الأمل؟ كم منا شعر بالرغبة في الانكفاء على ذاته والهروب من كل شيء؟
ولكن، هل استطاع إرميا أن يصمت؟ كلا...
لان الحب الإلهي حين يستقر في عمق النفس، يتحول إلى نار حارقة. نار لا تدمر، بل تطهر وتدفع الإنسان إلى الأمام رغماً عنه. إنه الشغف الإلهي الذي يجعل الإنسان يعطي كل شيء، يسكب ذاته حتى النهاية، حتى عندما يبدو كل شيء حوله جافاً ومأساوياً.
ثم نأتي إلى إنجيل اليوم، إلى متى 16، لنرى المشهد يتكرر مع بطرس الرسول.
يسوع يبدأ بالحديث عن الذهاب إلى أورشليم. لا يتحدث عن موكب نصر أو عرش ملوكي، بل عن الآلام الشديدة، عن الرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة، وعن الموت على الصليب. وهنا، يقف بطرس — بطرس الذي كان قبل لحظات قد أعلن أن يسوع هو المسيح ابن الله — وينحي يسوع جانباً ويبدأ في عتابه: «حاشاك يا رب! لا يكون لك هذا!».
لماذا قال بطرس ذلك؟
لأنه أحب يسوع. بطرس لم يكن مفسداً؛ كان يريد أن يحمي معلمه. كان يرى في الألم والموت نهاية كل شيء. لم يكن يستوعب أن منطق الله يختلف تماماً عن منطق البشر. وبطرس، في تلك اللحظة، كان يمثل كل واحد منا عندما نرتعب أمام الصليب، عندما نصرخ في وجه الألم ونقول: «حاشاك يا رب! لماذا يحدث هذا؟».
رد يسوع كان قاسياً في ظاهره، لكنه كان يفيض بالحق: «اذهب خلفي يا شيطان! أنت عثرة لي، لأنك لا تفكر بما لله بل بما للبشر». ثم يلتفت يسوع إلى جميع التلاميذ ويضع القاعدة العظمى للملكوت: «من أراد أن يأتي بعدي، فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني. فإن من أراد أن يخلص نفسه يفقدها، ومن يفقد نفسه من أجلي يجدها».
...
واليوم، ونحن نقف في هذا الأحد الثاني والعشرين من الزمن الاعتيادي، دعونا نقول الحقيقة الصريحة قبل أن نطلب التعزية.
لقد مضى الآن حوالي شهرين... شهران كاملان منذ ذلك اليوم الحزين، الثالث عشر من حزيران لعام 2026، عندما غادرنا بنيامين فو.
شهران... وهي فترة كافية لكي يزول الذهول الأول، ولكي يبدأ الصمت الحقيقي في التسلل إلى أركان البيت. الكرسي الفارغ حول المائدة لم يعد مجرد مشهد طارئ، بل أصبح حقيقة يومية. الغرفة الهادئة، شاشة الحاسوب التي طالما شهدت على نبوغه وابتكارته، الصمت الذي يحل في المساء... كلها أمور تذكرنا بأن الفراغ الذي تركه Benjamin ليس فراغاً عابراً، بل هو جرح عميق في قلب العائلة.
الحقيقة هي أن الفقدان هو تلك الأرض الجافة الناشفة التي يتحدث عنها المزمور. إنه العطش الشديد لرؤية وجهه، لسماع ضحكته، للمسه. الألم حقيقي، والدموع التي تسكب في الخفاء هي دموع صادقة ونقية.
يا آلان، ويا تاو، ويا رايان... أعلم أن القلب في هذه الأيام قد يشعر بالإجهاد الشديد. أعلم أن السؤال «لماذا؟» قد يتردد في الليل، وأن الصليب يبدو أحياناً ثقيلاً جداً على الكتفين.
وفي وسط هذا الحزن، دعوني أضع يدي برفق شديد على جرح يراود الكثير من الآباء والأمهات الذين يفقدون أبناءهم: ذلك الهمس الخفي والقاسي الذي يحمل لوم الذات. قد يتساءل الوالدان في لحظات الضعف والصمت: «هل قصّرنا؟ هل كان بإمكاننا فعل شيء آخر؟ هل أغفلنا تفصيلاً صغيراً؟».
اصغوا إلى صوت يسوع اليوم وهو يرفع عن كاهلكم هذا الجبل الثقيل. تذكروا جوابه عندما سأله التلاميذ عن الأعمى منذ ولادته: «لا هذا أخطأ ولا أبواه». المرض والألم في هذا العالم ليسا عقاباً إلهياً، وليسا نتيجة تقصير أو إهمال بشري. المرض يحدث گاهتزاز طبيعي في هذا العالم الترابي المنكسر، بعيداً عن أي خطأ أو تقصير منكم. أنتم يا آلان ويا تاو، أحببتم Ben بأقصى درجات المحبة والإخلاص. لم تدخروا قطرة جهد، ولا ثانية من الرعاية والمرافقة والصلاة. ارفعوا هذا الحجر الثقيل عن صدوركم؛ فالله الذي هو الحب ذاته يرى محبتكم الصافية، ويضم دموعكم إلى قلبه الأقدس، وهو لا يتهمكم أبداً بل يرفعكم ويشددكم.
...
وهنا يقع التحول العظيم في ليتورجيتنا اليوم.
يقول القديس بولس في الرسالة إلى أهل روما: «فأطلب إليكم أيها الإخوة برأفة الله، أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله، عبادتكم العقلية. ولا تشاكلوا هذا الدهر، بل تغيروا بتجديد أذهانكم، لتختبروا ما هي إرادة الله الصالحة المرضية الكاملة».
ما معنى أن يقدم الإنسان جسده وجباته كـ «ذبيحة حية»؟
معناها ألا يعيش الإنسان لنفسه، بل أن يفرغ ذاته بالحب، أن يضع كل طاقته وشغفه في كل ما يفعله، دون خوف من التعب أو الفشل.
وعندما نتأمل في حياة فتى شاب مثل Benjamin Vo، نجد هذه «الذبيحة الحية» تجسدت في روحه بشكل رائع وبسيط.
كان بنيامين يمتلك عقلاً فذاً، يتفوق في الرياضيات والبرمجة والذكاء الاصطناعي ببراعة استثنائية سبقت سنين عمره. ولكن ما كان يحرك Ben في عمق قلبه لم يكن مجرد التفوق الأكاديمي، بل روح رياضية وأخلاقية عميقة. كان Ben يملك شعاراً ومبدأً يعيش به في كل ميدان من ميادين حياته، سواء كان ذلك على ملعب كرة الرية (badminton) أو في دراسته: «المحاولة هي كل ما يهم» (Trying is all that matters).
تأملوا في هذه الجملة البسيطة العميقة! «المحاولة هي كل ما يهم».
عندما كان يرتدي قميصه الرياضي ويدخل إلى الملعب، لم يكن يخاف من الخسارة، ولم يكن يتردد أمام المحاولات الصعبة. كان يضع كل قوته، وكل تركيزه، وكل عرق جبينه في المباراة. لم يرتعب من الفشل، بل كان يعمل بجد وشغف، يعطي كل ما لديه بكل أمانة وتواضع. وعندما نجح في الانضمام إلى فريق كرة الريشة، لم يكن ذلك مجرد إنجاز شخصي، بل كان فرحة عارمة تشاركها مع عائلته وأقاربه بحب وبراءة.
هذا هو الشغف الذي يتحدث عنه إرميا! هذه هي «النار المحصورة في العظام»! Ben لم يكن يعيش بنصف قلب. لم يكن يشاكل هذا الدهر في السطحية والكسل، بل كان يقدم كل حركاته وتدريباته وشغفه كـ «ذبيحة حية» من المحبة والعطاء. كان يعلم بالفطرة أن الإنسان لا يُقاس بالنتيجة النهائية التي يراها العالم، بل بمقدار المحاولة الصادقة وبحجم الحب الذي يضعه في كل حركة.
...
يسوع يقول في الإنجيل: «من فقد نفسه من أجلي يجدها».
في منطق العالم، بنيامين غادرنا وهو في الخامسة عشرة من عمره. للعالم المادي، يبدو هذا كخسارة. ولكن في منطق القيامة، في منطق ذبيحة المسيح، بنيامين لم يفقد حياته، بل «وجدها» بملئها في أحضان الآب السماوي.
إن الشغف والنقاء والاجتهاد الذي عاش به Ben لم يذهب أدراج الرياح. كل محاولة بذلها، كل ابتسامة رسمها، كل جهد قدمه، تحول اليوم إلى مجد أبدي. إنه الآن في «مأدبة السماء»، يجلس مع القديس الشاب كارلو أكوتيس — ذلك الشاب الذي شاركه الشغف ذاته بالتكنولوجيا والإيمان — يتبادلان الفرح في حضرة عرش النعمة.
Ben لم يعد يتعب، ولم يعد يعاني من أي قيد جسدي. إنه يتنفس بحرية كاملة، ويحلق في نور المسيح غير المغروب. وروح «المحاولة هي كل ما يهم» التي زرعها في حياتكم لا تزال حية وتشع رجاءً.
يا آلان ويا تاو...
ابنكما بنيامين لم يعش حياة ناقصة. لقد عاش حياة كاملة لأنها كانت ممتلئة بالحب والجهد الصادق. واليوم، وهو يراقبكما من السماء بابتسامته العذبة، يطلب منكما ألا تسقطا في يأس الأرض الجافة. إنه يقول لكما: «يا بابا، ويا ماما... واصلا المحاولة. لا تستسلما للحزن. المحاولة في الحب، والمحاولة في الإيمان، والمحاولة في العيش هي كل ما يهم».
ويا رايان العزيز، يا شقيق بن وأفضل أصدقائه...
تذكر دائماً أفعال أخيك في الملعب وفي البيت. تذكر كيف كان يعطي كل ما لديه دون خوف. Benjamin يريدك اليوم أن تصبح قوياً، أن تدرس، أن تلعب، أن تضحك، وأن تعيش حياتك بملئها. كل مباراة تلعبها، كل مسألة تحلها، كل ابتسامة تبتسمها، هي تكريم لأخيك الذي يحبك ويحميك بصرواته من السماء. كن شجاعاً كما كان Ben.
وإلى جميع الأقارب والأصدقاء، وإلى كل من يتابعنا من بعيد — خاصة العائلات التي تحمل صليب الفقدان المؤلم أو تعاني مع مرض أطفالها...
يسوع لا يقف بعيداً عن أوجاعكم. إنه يعرف معنى العطش في البرية، ويعرف معنى حمل الصليب. ولكن الصليب ليس الكلمة الأخيرة. الكلمة الأخيرة هي للقيامة. إن حب الله أقوى من الموت، والنار التي زرعها في قلوبنا لن تطتفئ أبداً.
...
عندما تخرجون من هذه الصلاة اليوم، لا تحملوا معكم ثقل التراب، بل احملوا شعلة الرجاء.
أطلب منكم اليوم التزاماً واحداً صغيراً وملموساً تجسدون فيه مدرسة بنيامين:
في هذا الأسبوع، عندما تواجهون صاعوبة، أو حزناً، أو مهمة ثقيلة تشعرون فيها بالتعب... توقفوا لثانية واحدة صامتة. تذكروا جملة Ben: «المحاولة هي كل ما يهم». ابذلوا الجهد بحب، ولا تخافوا من الفشل. قدموا عملكم البسيط أو كتمان ألمكم كـ «ذبيحة حية» مرصية عند الله، واصلوا الصلاة من أجل Ben ومن أجل عائلته.
ليكن ذكرك مؤبداً يا بنيامين الحبيب. نم في سلام المسيح، وتحت حماية أمنا مريم العذراء، إلى أن نلتقي جميعاً في مأدبة الملكوت الأبدي حيث لا حزن ولا بكاء بل فرح دائم.
آمين.
For the intentions entrusted to Ben on our prayer wall:
بأمر مخلصنا وتشكيلنا بالتعليم الإلهي، نجسر على القول:
أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك، كما في السماء كذلك على الأرض. أعطنا خبزنا كفاف يومنا، واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، كما نحن نغفر لمن أخطأ وأساء إلينا، ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير. آمين.
ليبارككم الرب ويحفظكم، وليضيء بوجهه عليكم ويرحمكم، وليرفع وجهه نحوكم ويمنحكم السلام. باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين.
✝ ليبارِكْكُمُ اللهُ القَدير، الآبُ والابْنُ والرّوحُ القُدُس. آمين.