باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد. آمين. أيها الإخوة والأخوات الأحباء، لنفتح قلوبنا لكلمة الله في هذا الصباح المبارك، ولنستقبل نعمته في حياتنا.
يا رب، يا من أحببتنا حتى الموت على الصليب، ارحمنا. يا أيها المسيح، يا من كشفت لنا أسرار الملكوت، ارحمنا. يا رب، يا من أقمتنا من الأموات، ارحمنا.
أيها الإخوة والأخوات الأحباء في المسيح،
تأملوا معي في هذه الصورة التي يضعها الإنجيل أمامنا اليوم. يسوع في الناصرة، مسقط رأسه. ذهب إلى المجمع كعادته في يوم السبت. وقف ليقرأ، وسُلم إليه سفر النبي إشعيا. فتحه، ووجد الموضع الذي كُتب فيه: "روح الرب عليّ، لأنه مسحني لأبشر الفقراء، أرسلني لأشفي منكسري القلوب، لأعلن للمأسورين عن الإطلاق وللعميان عن البصر، لأطلق المسحوقين أحراراً، وأعلن سنة قبول الرب". ثم طوى السفر، وأعاده إلى خادمه، وجلس. وعيون كل من في المجمع كانت شاخصة إليه. ثم قال لهم: "اليوم تكمل هذه الكتابة في مسامعكم".
يا لها من لحظة! لحظة إعلان، لحظة كشف، لحظة تجلٍ. كان يمكن أن تنتهي هذه اللحظة بالهتاف والتصفيق، بالاعتراف بالابن، بالاحتفاء بالنبي الذي جاء من بينهم. ولكن، ماذا حدث؟
"وكان الجميع يشهدون له، ويتعجبون من كلام النعمة الخارج من فمه". بدا الأمر واعداً. ولكن سرعان ما تحول التعجب إلى تساؤل، والتساؤل إلى اتهام، والاتهام إلى غضب جامح. "أليس هذا ابن يوسف؟" قالوا. ثم أضافوا: "يا طبيب، اشفِ نفسك! افعل هنا في وطنك أيضاً ما سمعنا أنه فعل في كفرناحوم".
هل ترون كيف أن القلوب البشرية، حتى وهي تشهد على كلام النعمة، يمكن أن تتحول فجأة؟ كيف أن الاعتياد على شخص، على بيئته، على ماضيه، يمكن أن يحجب عنه رؤية الحاضر؟ كيف أننا أحياناً نرفض ما يأتينا من الله لأنه يأتينا بطريقة غير متوقعة، أو من شخص لا نتوقعه؟
هذه الصورة، صورة الرفض في الوطن، صورة العين التي ترى ولكنها لا تبصر، هي الخيط الذي سنسير معه اليوم. إنها الصورة التي تربط بين إشعياء، وبين يسوع، وبين حياة فتى أحببناه كثيراً، بنيامين فو.
لقد مضى الآن حوالي شهرين… شهران كاملان منذ ذلك اليوم الحزين، الثالث عشر من حزيران لعام 2026، عندما غادرنا بنيامين. شهران. وهي فترة كافية لكي يدرك القلب أن الغياب ليس كابوساً عابراً سنستيقظ منه، بل هو حقيقة يومية ثقيلة. في هذه الأيام، يبدأ الصمت في أرجاء البيت يصبح مسموعاً بشكل مؤلم. الكرسي الفارغ، شاشة الحاسوب التي طالما شهدت على نبوغه وابتكاراته، الصمت الذي يحل في المساء… كل تفصيل صغير في البيت ينطق بالشوق.
الحقيقة هي أن الفراق يشبه تلك العيون التي كانت شاخصة إلى يسوع في المجمع، ولكنها لم ترَ فيه سوى ابن يوسف. الفراق يحاول أن يقنعنا بأن ما فقدناه هو مجرد ذكرى، مجرد ماضٍ، مجرد شيء كان موجوداً ثم انتهى. إنه يحاول أن يجعلنا نرفض ما يأتينا من الله في وسط حزننا، لأنه يأتي بطريقة قد لا نتوقعها.
يا آلان، ويا تاو، ويا رايان… أعلم أن قلوبكم في هذه الأيام قد تشعر بالجفاف. قد تتساءلون في صمت الليل: كيف يمكن للأرض أن تستمر في الدوران، وكيف يمكن للناس أن يضحكوا، بينما غاب عن دنيانا ذلك الفتى العذب، صاحب الابتسامة المشرقة التي كانت تضيء عتمة الأيام؟ كيف يمكننا أن نجد التعزية بينما الجرح ما زال طرياً، والشوق يعصر الروح في كل صباح ومساء؟
اسمحوا لي اليوم أن أضع يدي على هذا الجرح برفق شديد. في لحظات الفقدان الكبير، قد يتسلل لوم الذات إلى أعمق زوايا النفس. قد يهمس الشرير في قلوب المحبين: "لو أننا انتبهنا أكثر… لو أننا فعلنا كذا… ربما كانت النتيجة مختلفة".
أريدكم أن تصغوا إلى صوت يسوع اليوم، الصوت الذي يرفع عن كاهلكم هذا الحمل الثقيل الذي لا ذنب لكم فيه. عندما سأل التلاميذ يسوع عن الرجل الأعمى: "من أخطأ، هذا أم أبواه؟"، أجابهم بوضوح: "لا هذا أخطأ ولا أبواه". المرض والألم ليسا عقاباً من الله، وليسا نتيجة تقصير أو إهمال بشري. Benjamin كان محاطاً بأعظم حب، وبأقصى درجات الرعاية والصلاة التي يمكن لبشر أن يقدمها. أنتم يا آلان وتاو، لم تدخروا جهداً، ولم تتركوا باباً إلا وطرقتموه. لا تلوموا أنفسكم أبداً؛ فالله الذي هو الحب ذاته، يرى محبتكم الصافية، ويقدس دموعكم، وهو لا يتهمكم بل يضمكم إلى صدره الأبوي ليمسح جراحكم.
وهنا يقع التحول العظيم في تأملنا اليوم.
يقول القديس بولس في رسالته الأولى إلى أهل كورنتوس: "ولكن اختر الله جهال العالم ليخزي الحكماء، واختار الله ضعفاء العالم ليخزي الأقوياء. واختار الله أدنياء العالم ومزدرى، بل ما ليس موجوداً ليبطل ما هو موجود، لكي لا يفتخر كل ذي جسد أمام الله".
تأملوا في هذه الكلمات: "اختار الله جهال العالم ليخزي الحكماء".
في حياة بنيامين، نرى هذا الاختيار الإلهي يتجلى بوضوح. كان Ben يمتلك عقلاً فذاً، فضولاً لا ينضب، قدرة على فهم أعقد المفاهيم في مجال التكنولوجيا والبرمجة والذكاء الاصطناعي وهو لا يزال في سنوات عمره الأولى. كان قادراً على مناقشة والده في أدق تفاصيل AWS، وعلى كتابة الألعاب والتطبيقات التي تتجاوز قدرات الكثيرين. وكان يمكن للعالم أن يرى فيه "حكيماً"، "عبقرياً"، "مستقبلاً باهراً".
ولكن، ماذا اختار الله؟
الله اختار Ben، ليس فقط لعقله اللامع، بل لقلبه. اختار Ben، ليس فقط لذكائه، بل لوداعته. اختار Ben، ليس فقط لفضوله، بل لطيبته. الله اختار Ben، ذلك "الولد الأحلى"، الذي كان يبتسم دائماً، ويحترم والديه، ويشعر بالآخرين. لقد اختار الله Ben، ليس ليخزي الحكماء، بل ليُظهر لنا أن الحكمة الحقيقية ليست في المعرفة وحدها، بل في القلب النقي، وفي الروح المتواضعة.
تذكروا تلك اللحظة التي عرض فيها Ben، وهو في الثانية عشرة من عمره، أن يتخلى عن كل ما في حصالته لمساعدة عمه ويليام. لم يكن الأمر يتعلق بالمبلغ، بل بالعرض نفسه. عرض فتى صغير أن يتخلى عن كنزه الصغير ليخفف ألم قريب. هذا هو "جهل العالم" الذي اختاره الله ليخزي به حكمة العالم التي تركز على الذات وعلى المكاسب الشخصية.
Ben لم يكن مجرد عقل لامع؛ كان قلباً نابضاً بالحب. كان يمتلك ذلك النوع من الفضول الذي لا يكتفي بالنظر، بل يسأل، ويتأمل، ويحاول أن يفهم. كان هذا الفضول، ممزوجاً بقلبه الطيب، هو ما جعله يرى العالم بعينين مختلفتين. لقد رأى في الطائرات أكثر من مجرد معادن وآلات؛ رأى فيها حلماً، ورأى فيها حرية، ورأى فيها فرصة للسفر واكتشاف العالم. لقد رأى في "Con Chim Airlines"، شركته الخيالية، أكثر من مجرد اسم؛ رأى فيها تعبيراً عن روحه التي تتوق إلى التحليق.
هذا الفتى، الذي كان يحب الطائرات، والذي كان يمتلك عقلاً يسبق سنه بسنوات، والذي كان قلبه مليئاً بالحب والعطاء، لم يذهب سدى. لم يكن رحيله خسارة للعالم فقط، بل كان اختياراً إلهياً ليُظهر لنا معنى الحياة الحقيقية.
يا آلان ويا تاو…
ابنكما Benjamin لم يكن مجرد "ابن يوسف" الذي جاء من الناصرة. لم يكن مجرد شخص نعرفه ونحبه. لقد كان، وبحسب اختيار الله، "آية" لنا. آية تُظهر لنا أن الله يختار ما هو ضعيف ليخزي الأقوياء، وما هو دنيء ليُبطل ما هو موجود. لقد اختار الله Ben لكي يُظهر لنا أن الحب، والنقاء، والتواضع، والعطاء، هي القوة الحقيقية التي لا يمكن للموت أن يقضي عليها.
Ben استراح الآن. لقد أقلعت طائرته "Con Chim Airlines" في رحلتها الأخيرة والأجمل. لم تعد بحاجة إلى وقود أرضي، بل هي تحلق بنور الروح القدس. إنه في "مأدبة السماء"، يجلس مع القديس الشاب كارلو أكوتيس، يتبادلان الأحاديث التي طالما أحبها عن التكنولوجيا وعن حب الله الذي يفوق كل خوارزمية. لقد وجد Ben في السماء ما كان يبحث عنه بفضوله اللامحدود: الحقيقة المطلقة، والجمال الأبدي، والحب الذي لا ينتهي.
يا رايان العزيز، يا شقيق بن وأفضل أصدقائه…
أعلم كم تشتاق إلى رفيق دربك، وإلى الضحكات التي تقاسمتماها معاً. Benjamin يريدك اليوم أن تكون قوياً. يريدك أن تواصل مسيرتك، أن تدرس، وتلعب، وتكبر، وتحمل في قلبك تلك الشعلة التي أضاءها في حياتك. كل نجاح تحققه، وكل ابتسامة ترسمها على وجهك، هي تكريم حقيقي لأخيك الذي يحبك ويحميك من السماء. عِش من أجله، ودع روحه الطيبة تكون الدافع لك في كل خطوة تخطوها.
إلى كل الأقارب والأصدقاء، وإلى أولئك الذين يتابعوننا من بعيد، خاصة العائلات التي تحمل صليب الفراق الثقيل، أو التي تعاني مع مرض أطفالها…
المسيح لا يقف متفرجاً على آلامنا. إنه يبكي معنا كما بكى على قبر لعازر. رفض الناصريين ليس نهاية القصة. فبعد الرفض يأتي الاختيار. الله يختار قلوباً نقية، وقلوباً متواضعة، وقلوباً مليئة بالحب، ليُظهر بها مجده.
عندما تخرجون من هذه الصلاة اليوم، لا تحملوا معكم ثقل الغياب فحسب، بل احملوا معكم "الاختيار الإلهي" الذي تجلى في حياة بنيامين.
أطلب منكم اليوم أمراً واحداً صغيراً وملموساً:
في هذا الأسبوع، عندما ترون طائرة تحلق في السماء، أو عندما تسمعون عن إنجاز علمي أو تكنولوجي، تذكروا Ben. ارفعوا صلاة قصيرة من أجل راحة نفسه، واطلبوا من الله أن يمنحكم ذلك "الجهل" المقدس الذي يخزي حكمة العالم: حكمة القلب النقي، حكمة العطاء بلا مقابل، حكمة الحب الذي لا يعرف حدوداً.
ليكن ذكرك مؤبداً يا Benjamin Đại Dương. نم في سلام المسيح، يا من علمتنا أن الله يختار ما هو ضعيف ليخزي الأقوياء، وأن أعظم حكمة هي أن نحب.
آمين.
For the intentions entrusted to Ben on our prayer wall:
بأمر مخلصنا وتشكيلنا بالتعليم الإلهي، نجسر على القول:
أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك، كما في السماء كذلك على الأرض. أعطنا خبزنا كفاف يومنا، واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، كما نحن نغفر لمن أخطأ وأساء إلينا، ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير. آمين.
وليكن الله، إله الرجاء، يملأكم بكل فرح وسلام بالإيمان، لتزدادوا رجاءً بقوة الروح القدس. آمين.
✝ ليبارِكْكُمُ اللهُ القَدير، الآبُ والابْنُ والرّوحُ القُدُس. آمين.