باسم الآب والابن والروح القدس. نعمة ربنا يسوع المسيح، ومحبة الله، وشركة الروح القدس معكم جميعاً في هذا اللقاء الصامت والمقدس.
يا رب، يا من تضيء مصابيح نفوسنا، ارحمنا. يا مسيح، يا من أنت الحكمة الحقيقية والرجاء الأبدي، ارحمنا. يا رب، يا من تعزي القلوب المنكسرة بفيض زيت نعمتك، ارحمنا.
أيها الإخوة والأخوات الأحباء في المسيح،
تخيلوا معي ذلك المشهد الذي يتكرر في كل مطار في العالم... تلك اللحظة التي تقف فيها طائرة ضخمة من طراز بوينغ 737 على مدرج الإقلاع. المحركات تزمجر، والأنوار تومض، والركاب ينتظرون تلك اللحظة التي تنفصل فيها العجلات عن الأرض لترتفع في عباب السماء. في تلك اللحظة، يبدو كل شيء دقيقاً، محسوباً، ومنظماً. هناك علم الطيران، وهناك قوانين الفيزياء، وهناك الوقود الذي يملأ الخزانات، وهناك الطيار الذي يراقب الأجهزة بيقظة تامة.
بنيامين فو، بذكائه اللامع وفضوله الذي لا يرتوي، كان يعشق هذا المشهد. كان يرى في الطائرات أكثر من مجرد آلات؛ كان يرى فيها حُلماً، وقوة، وحرية. كان يجلس مع والده آلان في طقس «رصد الطائرات»، يراقبان تلك الأجنحة وهي تشق الهواء. وكان Ben، بضحكته العذبة، يحلم بشركته الخاصة، «Con Chim Airlines» (خطوط طيران الطائر). كان يبتسم ويقهقه كلما نطق بهذا الاسم، وكأن روحه كانت تعرف بالفطرة أن الإنسان لم يُخلق ليبقى سجين الأرض، بل ليحلق عالياً في سماء الله.
اليوم، ونحن نحتفل بتذكار القديس أغسطينوس، ونصغي إلى مثل العذارى العشر في الإنجيل، نجد أنفسنا أمام صورة «المصباح» و«الزيت». وفي حياة Benjamin، نجد أن «المصباح» كان عقله المتوقد، وذكاءه الذي جعله يحل مسائل الرياضيات المعقدة وهو لا يزال طفلاً، وشغفه بالبرمجة والذكاء الاصطناعي. أما «الزيت»، فهو ذلك الشيء الخفي الذي جعل مصباحه يضيء بهذا الجمال: إنه قلبه الوديع، ورقته، ومحبته الصافية التي لا تعرف الغش.
...
لقد مضى الآن حوالي شهرين... شهران كاملان منذ ذلك اليوم الحزين في الثالث عشر من حزيران، عندما غادرنا Benjamin Vo.
شهران، وهي فترة كافية لكي يدرك القلب أن الغياب ليس حلماً سنستيقظ منه، بل هو واقع ثقيل. في هذه المرحلة، يبدأ الصمت في البيت يصبح مسموعاً. الكرسي الفارغ، الحاسوب الذي لم تعد أصابعه تلامسه، النماذج المصغرة للطائرات التي تقف ساكنة... كل شيء ينطق بالشوق. الحقيقة هي أن الموت يشبه ذلك «العريس» الذي تأخر في المجيء، كما يقول الإنجيل: «ولما أبطأ العريس، نعسن جميعاً ونمن».
هذا «الإبطاء»، هذا الانتظار الطويل للقاء الذي نرجوه في السماء، هو أصعب ما في تجربة الفقدان. إنه الليل الذي يختبر فيه الزيت في مصابيحنا.
يا آلان، ويا تاو، ويا رايان... أعلم أن القلب في هذه الأيام قد يشعر بالتعب. قد تتساءلون: كيف يمكن للأرض أن تكون «ممتلئة من جودة الرب»، كما يقول المزمور، بينما قلوبنا ممتلئة بهذا الفراغ؟ كيف يمكن للصليب أن يكون «حكمة الله»، كما يقول بولس الرسول، بينما يبدو لنا كأنه قمة الألم واللا-معنى؟
اسمحوا لي اليوم أن أضع يدي على جرحكم برفق. في لحظات الحزن العميق، قد يتسلل لوم الذات. قد يهمس الشيطان في أذن المحبين: «ربما لو فعلنا كذا... ربما لو انتبهنا لكذا...».
أريدكم أن تصغوا إلى صوت المسيح اليوم: أنتم لم تقصروا في شيء. المرض والألم ليسا نتيجة خطأ، ولا عقاباً من الله، ولا ثمرة إهمال بشري. Benjamin كان محاطاً بأعظم حب يمكن أن يناله طفل على وجه الأرض. لقد كنتم «المستعدين» دائماً، ومصابيح محبتكم لم تنطفئ لحظة واحدة بجانب سريره. ارفعوا هذا الحمل عن كاهلكم؛ فالله الذي هو الحب ذاته، يرى تضحياتكم ويقدس دموعكم، وهو لا يتهمكم، بل يضمكم إلى صدره الأبوي.
...
وهنا يقع «التحول» العظيم في تأملنا اليوم.
يقول القديس بولس في الرسالة الأولى إلى أهل كورنتوس: «إن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة، وأما عندنا نحن المخلصين فهي قوة الله».
للعالم، قد يبدو رحيل فتى في الخامسة عشرة، بكل هذا الذكاء والوعود، خسارة لا معنى لها. قد يبدو «جهالة». ولكن في منطق الله، في «حكمة الله» التي تفوق كل عقل، حياة Benjamin لم تكن ناقصة. لقد كانت حياة كاملة لأنها كانت ممتلئة بـ «الزيت».
ما هو هذا الزيت؟
إنه ذلك العرض العفوي الذي قدمه Ben لوالديه عندما عرض كل مدخرات «حصّالته» ليساعد عمه ويليام. لم يكن يملك الملايين، ولم يكن عمه بحاجة للمال فعلياً، ولكن «العرض» بحد ذاته كان هو الزيت النقي. فتى في الثانية عشرة، يفكر في الآخرين قبل نفسه، مستعد للتخلي عن كل ما يملك من أجل تخفيف ألم قريب... هذا هو الزيت الذي يجعل المصباح يضيء في منتصف الليل.
هذا هو الذكاء الحقيقي الذي يتحدث عنه الإنجيل. العذارى الحكيمات لم يكنّ حكيمات لأنهن عرفن متى سيأتي العريس، بل لأنهن حملن «الزيت» في آنيتهن. وبنيامين، بذكائه الفائق في الرياضيات والبرمجة، كان يملك حكمة أعمق: حكمة القلب. كان يعرف أن «المحاولة هي كل ما يهم». كان يعرف أن الحب هو العملة الوحيدة التي لا تفقد قيمتها في السماء.
...
يا آلان، ويا تاو...
عندما كان Benjamin يراقب الطائرات معك يا آلان، كان يتعلم كيف يرفع عينيه إلى فوق. واليوم، هو يطلب منكما أن ترفعا أعينكما معه. القديس أغسطينوس، الذي نحتفل به اليوم، قال جملته الشهيرة: «خلقتنا لك يا الله، وتظل قلوبنا قلقة إلى أن تستريح فيك».
Ben استراح الآن. لقد أقلعت طائرته «Con Chim Airlines» في رحلتها الأخيرة والأجمل. لم تعد بحاجة إلى وقود أرضي، بل هي تحلق بنور الروح القدس. إنه في «مأدبة السماء»، يجلس مع القديس الشاب كارلو أكوتيس، يتبادلان الحديث عن التكنولوجيا وعن حب الله الذي يفوق كل خوارزمية.
يا رايان العزيز، يا شقيق بن وأفضل أصدقائه...
تذكر دائماً ضحكة أخيك عندما كان يتحدث عن طيوره وطائراته. تلك الضحكة هي «الزيت» الذي يجب أن تحتفظ به في مصباح قلبك. Benjamin يريدك أن تواصل المسيرة، أن تدرس، أن تلعب، أن تبتسم، وأن تحمل شعلة ذكائه ولطفه في حياتك. أنت لست وحدك؛ هو «يُراقبك» الآن، ليس من مدرج المطار، بل من شرفة السماء.
إلى كل الذين يتابعوننا اليوم، خاصة العائلات التي تحمل صليباً ثقيلاً، والذين يشعرون أن زيت الرجاء في مصابيحهم بدأ ينفد...
انظروا إلى صليب المسيح. إنه يبدو «ضعفاً»، لكنه «أقوى من البشر». الله لا يتركنا في منتصف الليل. الصرخة: «هوذا العريس آتٍ!» ليست صرخة رعب، بل هي صرخة لقاء. المسيح يأتي ليمسح كل دمعة، وليفتح الأبواب التي أغلقت في وجوهنا.
بنيامين فو، الذي كان يرى الجمال في الأرقام وفي أجنحة الطائرات، يذكرنا اليوم أن الأرض فعلاً «ممتلئة من جودة الرب»، حتى في وسط الألم. جودة الرب تظهر في تلك البئر التي حُفرت باسمه في «كا ماو»، لتروي عطش المحتاجين. تظهر في كل وجبة قُدمت لفقير باسمه. تظهر في كل مرة يقرر فيها شخص أن يكون لطيفاً ووديعاً كما كان Ben.
...
عندما تخرجون من هذه الصلاة اليوم، لا تحملوا معكم ثقل الغياب فحسب، بل احملوا «آنية الزيت» التي تركها لنا بنيامين.
أطلب منكم اليوم أمراً واحداً ملموساً:
في المرة القادمة التي ترون فيها طائرة تحلق في السماء، أو عصفوراً يرفرف بجناحيه، ارفعوا صلاة قصيرة من أجل Benjamin، واطلبوا من الله أن يمنحكم ذلك «الزيت» الخفي: زيت اللطف، زيت العطاء الصامت، زيت الابتسامة التي لا تنكسر أمام الصعاب.
ليكن ذكرك مؤبداً يا Benjamin Đại Dương. نم في سلام المسيح، يا من علمتنا أن القلوب النقية هي التي ترى الله.
آمين.
For the intentions entrusted to Ben on our prayer wall:
بأمر مخلصنا وتشكيلنا بالتعليم الإلهي، نجسر على القول:
أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك، كما في السماء كذلك على الأرض. أعطنا خبزنا كفاف يومنا، واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، كما نحن نغفر لمن أخطأ وأساء إلينا، ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير. آمين.
ليبارككم الرب ويحفظكم، وليضئ بوجهه عليكم ويرحمكم، وليمنحكم سلاماً لا ينتهي. اذهبوا بسلام المسيح والرجاء يملأ قلوبكم.
✝ ليبارِكْكُمُ اللهُ القَدير، الآبُ والابْنُ والرّوحُ القُدُس. آمين.