باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين. النعمة والسلام والتعزية الإلهية من لدن ربنا يسوع المسيح، مخلصنا ورجائنا، لتكن معكم جميعاً ونحن نجتمع اليوم لنصغي إلى كلمته المحيية ونرفع قلوبنا إليه.
يا رب، أنت الذي تسبر أعماق قلوبنا وتشفي جراحنا، ارحمنا. يا مسيح، أنت الذي تأتي بكلمة السلطان لتهدئ عواصف نفوسنا، ارحمنا. يا رب، أنت الذي تمنحنا روحك القدوس لنفهم عطاياك المجانية، ارحمنا.
أيها الإخوة والأخوات الأحباء في المسيح يسوع،
دعونا ننتقل بأذهاننا اليوم إلى ذلك المشهد المهيب الذي يرويه لنا القديس لوقا في إنجيله. تخيلوا أنفسكم واقفين في مجمع كفرناحوم، تلك المدينة الوادعة الرابضة على ضفاف بحيرة طبريا. كان يوم سبت عادي، والناس مجتمعون كعادتهم، والهدوء يخيم على المكان. وفجأة، يدخل يسوع ويبدأ في التعليم. لم يكن تعليمه كتعليم الكتبة؛ لم يكن مجرد تكرار لنصوص جافة أو نقاشات فقهية باردة. يقول الإنجيل إنهم «بهتوا لتعليمه، لأن كلمته كانت بسلطان».
وفجأة، ينكسر هذا الهدوء بصراخ مدوٍّ، صراخ يمزق الصمت ويزرع الرعب في القلوب. رجل فيه روح شيطان نجس يصرخ بأعلى صوته: «آه! ما لنا ولك يا يسوع الناصري؟ أأهلكتنا؟ أنا أعرف من أنت: أنت قدوس الله!». هذا الصراخ، أيها الأحباء، ليس مجرد حادثة تاريخية وقعت قبل ألفي عام. إنه يمثل في عمقه صراخ الألم، صراخ الخوف، صراخ الفوضى التي تقتحم حياتنا الهادئة دون استئذان. إنه يمثل تلك اللحظات التي نشعر فيها أن قوى الظلام، أو المرض، أو الموت، قد هجمت على عالمنا الصغير لتدمير كل ما هو جميل ونقي.
ولكن، كيف واجه يسوع هذا الصراخ؟ لم يدخل في جدال، ولم يرفع صوته بالصراخ في مقابل الصراخ. بل نطق بكلمة واحدة، كلمة ممتلئة بالسلطان الإلهي: «اخرس واخرج منه!». وفي تلك اللحظة بالذات، سقط الرجل في الوسط، وخرج منه الشيطان دون أن يصيبه بأي أذى. بهت الجميع وتساءلوا: «ما هذه الكلمة؟ فإنه بسلطان وقوة يأمر الأرواح النجسة فتخرج!».
هذه الصورة — صورة «صوت السلطان الإلهي» الذي يهدئ الفوضى ويعيد النظام والسلام — هي الخيط الروحي الدافئ الذي سنتمسك به اليوم ونحن نتأمل في كلمة الله، ونحن نتأمل في حياتنا، وفي جراحنا، وفي ذكرى فتى أحببناه كثيراً، بنيامين فو (Benjamin Vo).
...
دعونا نقول الحقيقة كاملة وبكل صدق قبل أن نبحث عن التعزية. فالمسيحية لا تهرب من الألم، بل تواجهه عند أقدام الصليب.
لقد مضى الآن حوالي شهرين… شهران كاملان منذ ذلك اليوم الحزين، الثالث عشر من حزيران لعام ٢٠٢٦، عندما غادرنا بنيامين. شهران كاملان منذ أن توقف ذلك القلب النقي عن الخفقان، وغاب ذلك الجسد الفتي عن ناظرنا.
في البداية، يكون الفقدان كالصدمة التي تخدر المشاعر؛ نعيش في حالة من الذهول والإنكار. ولكن الآن، بعد مرور شهرين، يبدأ الواقع الثقيل في فرض نفسه. يبدأ الصمت في أرجاء البيت يصبح مسموعاً بشكل مؤلم. الكرسي الفارغ حول مائدة الطعام لم يعد غياباً مؤقتاً، بل أصبح حقيقة يومية. الغرفة الهادئة، شاشة الحاسوب التي طالما شهدت على نبوغه وشغفه، الصمت الذي يحل في المساء حين كان البيت يمتلئ بالحركة والضحك… كل تفصيل صغير ينطق بالشوق، وكل زاوية في البيت تصرخ بغيابه.
الحزن في هذه المرحلة يشبه تلك الفوضى التي كانت في مجمع كفرناحوم. إنه يأتي على شكل تساؤلات تصرخ في داخلنا في عتمة الليل: «لماذا يا رب؟ كيف يمكن لفتى في الخامسة عشرة من عمره، يفيض بالذكاء والنقاء والوعود، أن يرحل هكذا؟ كيف تستمر الشمس في الشروق، وكيف يستمر العالم في الدوران، بينما بنيامين لم يعد هنا؟».
يا آلان، ويا تاو، ويا رايان… أعلم أن قلوبكم في هذه الأيام قد تشعر بالإجهاد الشديد. أعلم أن الشوق يعصر أرواحكم في كل صباح ومساء، وأن الحمل يبدو أحياناً أثقل مما يمكن لطاقة بشرية أن تحتمل.
وفي وسط هذا الحزن، دعوني أقف معكم برفق شديد عند جرح خفي وغالباً ما يحمله الآباء والأمهات في صمت قاتل: إنه لوم الذات. قد يتسلل الشرير في لحظات الضعف ويهمس في قلوبكم: «لو أننا فعلنا كذا… لو أننا انتبهنا لتلك التفصيلة… ربما لو استشرنا طبيباً آخر… ربما لو كنا أكثر حذراً…».
أريدكم أن تصغوا بقلوبكم إلى صوت يسوع اليوم، الصوت الذي يرفع عن كاهلكم هذا الجبل الثقيل من الذنب غير الحقيقي. تذكروا ما قاله يسوع للرسل عندما سألوه عن الأعمى منذ ولادته: «لا هذا أخطأ ولا أبواه». المرض والألم في هذا العالم ليسا عقاباً من الله، وليسا نتيجة تقصير أو إهمال بشري. إن الجسد البشري، في ضعفه وترابيته، قد يتعرض للاهتزاز والكسر لأسباب خارجة تماماً عن إرادتنا وعن مراقبتنا.
أنتم يا آلان ويا تاو، لم تقصروا في شيء أبداً. لقد أحببتم Benjamin بأقصى درجات الحب التي يمكن لقلب بشري أن يقدمها. لقد أحطتموه بالصلاة والرعاية والسهر والدعم في كل ثانية من حياته. لم يكن هناك باب إلا وطرقتموه، ولا تضحية إلا وقدمتموها. ارفعوا هذا الحجر الثقيل عن صدوركم؛ فالله الذي هو الحب ذاته يرى محبتكم الصافية، ويقدس دموعكم، وهو لا يتهمكم بل يضمكم إلى صدره الأبوي ليمسح جراحكم ويمنحكم الغفران والسلام الصادق.
...
وهنا يقع التحول العظيم في تأملنا اليوم، عندما ننتقل من حكمة البشر الجافة إلى حكمة الروح القدس.
يقول القديس بولس في القراءة الأولى إلى أهل كورنتوس: «إن الروح يفحص كل شيء، حتى أعماق الله… ونحن لم نأخذ روح العالم، بل الروح الذي من الله، لنعرف الأشياء الموهوبة لنا من الله».
روح العالم يقيس الأمور بالكمية، بطول السنين، بالإنجازات المادية الملموسة التي يراها الناس ويصفقون لها. بحسب روح العالم، حياة انتهت في الخامسة عشرة هي حياة ناقصة، مأساة غير مكتملة. ولكن بحسب الروح الذي من الله، بحسب «فكر المسيح» الذي نمتلكه، الحياة لا تُقاس بطولها بل بعمقها، ولا بعدد السنين بل بمقدار الحب والنقاء الذي وضعناه فيها.
وعندما نتأمل في حياة بنيامين فو، نرى كيف أن الروح القدس قد فحص أعماق هذا الفتى ومنحه حكمة ونقاءً فاقا سنيه بكثير.
كان Benjamin يمتلك عقلاً فذاً استثنائياً، يغوص في الرياضيات والتكنولوجيا والبرمجة ببراعة تسبق عمره بسنوات طويلة. ولكن، ما كان يجعله فريداً حقاً في عيني الله وعيوننا لم يكن مجرد ذكائه الاصطناعي أو مهاراته التقنية، بل كان «صوته» و«قلبه الوديع».
تأملوا في هذه المفارقة الجميلة: في سنواته الأولى، كان بنيامين يواجه صعوبة في الكلام، وكان يعبر عن نفسه بحركات يديه الطفولية البسيطة، يضرب يديه ببعضهما بحماس، ويمر بفترة من الصمت والهدوء. كان والده يتذكر كيف اتصلت به المعلمة لتخبره بفرح أنها ستقوم بترقيته وإخراجه من برنامج صعوبات النطق (IEP) لأنه لم يعد يعاني من أي تأخر. لقد أصبح يتكلم!
هذا الفتى الذي بدأ حياته بنوع من الصمت، نما ليصبح صاحب أنقى وأعذب صوت. لم يكن صوته جميلاً فقط لأنه يتكلم بطلاقة، بل لأنه كان يحمل احتراماً عميقاً لوالديه، ووداعة تأسر القلوب. كان Benjamin يعشق الجلوس بجانب والده آلان، يستمع بشغف لا يرتوي إلى قصصه وحكاياته. كان يجد في صوت أبيه الأمان والراحة، وكان والده يجد في بريق عيني ابنه وفضوله اللامتناهي معنى الأبوة الحقيقية.
تذكروا كيف كان يبتسم ويضحك من أعماق قلبه كلما تحدث عن فكرته الطفولية والمرحة لتأسيس شركة طيران خيالية أسماها «Con Chim Airlines» (خطوط طيران الطائر). تلك الضحكة، ذلك الصوت المليء بالبراءة، كان يعبر عن روح تتوق إلى التحليق والحرية، روح لم تكن مقيدة بتراب الأرض بل كانت متجهة دائماً نحو السماء.
وعندما بلغ الثانية عشرة من عمره، تجلى نقاء صوته وقلبه في ذلك العرض العفوي والنبيل: عندما علم بمرض عمه ويليام وإصابته بجلطتين دماغيتين، لم يتردد ثانية واحدة، بل ذهب إلى والديه وأخبرهما بكل بساطة وبراءة أنه مستعد للتخلي عن حصالته بالكامل — تلك الحصالة التي كانت تمثل كل مدخراته وكنوزه الصغيرة كطفل — لمساعدة عمه. لم يكن عمه بحاجة إلى هذا المال فعلياً، ولم تُكسر الحصالة أبداً، ولكن «العرض» بحد ذاته، تلك الكلمات الصادقة التي خرجت من فمه الصغير، كانت هي القيمة الحقيقية. لقد كانت صوتاً منبعثاً من الروح القدس، صوتاً يصرخ بالحب والرحمة في عالم غالباً ما يسوده الجشع والأنانية.
بنيامين لم يعش بنصف قلب. لقد استخدم صوته، وعقله، وابتسامته التي كانت تزينها تقويم الأسنان، ليزرع الفرح والتعزية في حياة عائلته. واليوم، وإن كان صوته الأرضي قد صمت، فإن صدى كلماته ولطفه لا يزال يتردد في قلوبنا وفي السماء.
...
يا آلان، ويا تاو…
ابنكما الحبيب Benjamin ليس غائباً في غياهب العدم. إن الروح الذي يفحص أعماق الله يهمس في قلوبكم اليوم بأن بنيامين في أمان كامل. لقد تخلص من كل قيد جسدي، ومن كل تعب. إنه الآن في «مأدبة السماء»، يجلس مع القديس الشاب كارلو أكوتيس، الذي شاركه الشغف ذاته بالتكنولوجيا والنقاء ذاته في القلب.
تذكرا ذلك الحلم الجميل الذي رأيته يا آلان في الخامس والعشرين من حزيران، عندما رأيت بنيامين واقفاً خارج الغرفة، قوياً، صحيحاً، يتنفس بحرية كاملة ويقول لك: «لا بأس يا أبي، سأراقبكما وأرعاكما أنت وأمي». هذا ليس مجرد حلم عابر؛ إنه رسالة تعزية حقيقية من الله ليقول لكما إن بنيامين حي، وإنه يمارس حبه ورعايته لكما من مكان أفضل بكثير.
ويا رايان العزيز، يا شقيق بن الحبيب وأفضل أصدقائه…
أعلم كم تشتاق إلى رفيق دربك، وإلى الضحكات التي تقاسمتماها معاً في غرفتكما وفي رحلاتكما. Benjamin يريدك اليوم أن تكون قوياً. يريدك ألا تستسلم للحزن والظلمة. يريدك أن تواصل مسيرتك، أن تدرس بجد، وتلعب، وتضحك، وتكبر. في كل مرة تبتسم فيها، وفي كل نجاح تحققه، أنت تكرم ذكرى أخيك الذي يحبك ويحميك بصلواته من السماء. عِش حياتك بملئها من أجلك ومن أجله، واعلم أن روحه الطيبة ترافقك في كل خطوة.
إلى كل الأقارب والأصدقاء، وإلى أولئك الذين يتابعوننا من بعيد، خاصة العائلات التي تحمل صليب الفراق الثقيل، أو التي تعاني مع مرض أطفالها…
المسيح لا يقف متفرجاً على آلامنا. إنه يبكي معنا كما بكى على قبر صديقه لعازر. صوته الذي انتهر الشيطان في كفرناحوم هو ذاته الصوت الذي يهمس في قلوبنا المتعبة اليوم: «ثقوا، أنا قد غلبت العالم». الموت ليس الكلمة الأخيرة؛ الكلمة الأخيرة هي للحياة والقيامة.
إن حب بنيامين لا يزال حياً ومتدفقاً في هذا العالم. إنه يتدفق في تلك البئر التي حُفرت باسمه في فيتنام، «Giếng Gioan Baotixita» (بئر يوحنا المعمدان)، لتروي عطش الفقراء والمحتاجين بالماء النقي. هذا هو تخليد الذكرى الحقيقي: أن يتحول الألم إلى نبع للحياة، وأن يتحول الفقدان إلى عطاء صامت يمسح دموع الآخرين.
...
أيها الإخوة والأخوات، عندما تخرجون من هذه الصلاة اليوم، لا تحملوا معكم ثقل الحزن والتراب، بل احملوا معكم صوت يسوع المليء بالسلطان، وصوت بنيامين المليء بالبراءة.
أطلب منكم اليوم التزاماً واحداً صغيراً وملموساً:
في هذا الأسبوع، عندما تجلسون في لحظة صمت، أو عندما تستمعون إلى شخص تحبونه وهو يتحدث إليكم، توقفوا لثانية واحدة. تذكروا كيف كان بنيامين يحب الاستماع إلى قصص والده بشغف. تذكروا قيمة الكلمة الطيبة والصوت الوديع. ارفعوا صلاة قصيرة من أجل راحة نفس Benjamin Đại Dương، ومن أجل تعزية عائلته، وقرروا أن تنطقوا بكلمة تشجيع أو حب لشخص يحتاج إليها، لتكونوا أنتم أيضاً صوتاً للتعزية والسلام في هذا العالم المتعب.
ليكن ذكرك مؤبداً يا بنيامين الحبيب. نم في سلام المسيح، وتحت حماية أمنا مريم العذراء، إلى أن نلتقي مجدداً في ديار النور حيث لا حزن ولا بكاء بل فرح دائم وحياة أبدية.
آمين.
For the intentions entrusted to Ben on our prayer wall:
بأمر مخلصنا وتشكيلنا بالتعليم الإلهي، نجسر على القول:
أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك، كما في السماء كذلك على الأرض. أعطنا خبزنا كفاف يومنا، واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، كما نحن نغفر لمن أخطأ وأساء إلينا، ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير. آمين.
ليبارككم الرب الإله القدير ويحفظكم، ويفيض على قلوبكم بسلامه الذي يفوق كل عقل، ويعزّكم في أحزانكم، باسم الآب والابن والروح القدس، آمين.
✝ ليبارِكْكُمُ اللهُ القَدير، الآبُ والابْنُ والرّوحُ القُدُس. آمين.