باسم الآب والابن والروح القدس، إله واحد. آمين. نلتقي اليوم في حضرة الرب، حاملين في قلوبنا نور الإيمان الذي أضاء حياة القديس متى، وكل من سبقونا إلى ديار الخلود.
يا رب، ارحم. يا رب، ارحم. يا رب، ارحم.
تخيلوا معي مشهداً بسيطاً، مشهداً يمر به آلاف البشر كل يوم: رجلٌ يجلس خلف مكتبه، غارقٌ في أرقامه، في حساباته، في عالمٍ من المادة والمعاملات. إنه متى، جابي الضرائب، الذي كان يظن أن العالم ينتهي عند حدود ما يجمعه من مال. وفجأة، يتغير كل شيء. لا بخطابٍ طويل، ولا بجدالٍ فكري، بل بنظرةٍ واحدة من يسوع. 'اتبعني'. كلمةٌ بسيطة، لكنها غيرت مسار الأبدية. قام متى وترك كل شيء. ترك مكتبه، ترك أوراقه، وترك حتى هويته القديمة ليصبح تلميذاً. إن هذه النظرة التي وقعت على متى هي ذاتها النظرة التي تقع علينا اليوم. إنها نظرة لا ترى فينا خطايانا، ولا ترى فينا نقصنا، بل ترى فينا ما يمكن أن نكون عليه في عيني الله.
إننا نقف اليوم، يا آلان، يا تاو، يا رايان، بعد ثلاثة أشهر من رحيل بنيامين، ونحن نحاول أن نفهم كيف نستمر في المسير. قد يبدو العالم الآن كأنه مكتب متى القديم: مليء بالحسابات التي لا تكتمل، وبالأرقام التي تذكرنا بما فقدناه. قد تتساءلون في هدوء الليل: لماذا؟ أين العدل في أن يرحل فتىً كان يملأ البيت بفضوله، بذكريات 'كون تشيم إيرلاينز'، وبذكائه الذي كان يسبق سنوات عمره؟ أحياناً، يهمس الحزن بأسئلة قاتلة: هل كان هناك شيء فاتنا؟ هل كان بإمكاننا أن نغير المسار؟ أريد أن أرفع هذا الحجر الثقيل عن صدوركم اليوم، بكلمةٍ واضحة كالنور: لا لوم عليكم. الله لا يرسل المرض كعقاب، ولا يكتب الأقدار ليختبر قسوة قلوبنا. بنيامين لم يرحل بسبب غفلة، ولم يكن تعبه نتيجة أي تقصير منكم. لقد كنتم له المرفأ، والحضن، والدفء الذي لم ينقطع قط. الله لا يتهمكم، بل هو الذي يضمكم في ألمه اليوم. لا تحملوا وزر ما لا يد لكم فيه، فالله لا يحاسب المحبين على أقدار لا يملكون مفاتيحها. لقد كان بنيامين هبة، وقد عاد إلى واهب الحياة.
تأملوا معي في تلك الصورة الجميلة لبنيامين ورايان، وهما يجلسان جنباً إلى جنب في مطعمٍ دافئ، يتقاسمان الطعام بتركيزٍ وهدوء. هذا المشهد هو جوهر رسالة القديس بولس اليوم: 'العيش في تواضع ووداعة، مع صبر، محتملين بعضنا بعضاً في المحبة'. بنيامين كان يجسد هذا التواضع. فكروا في ذلك الفتى الذي، بذكائه الذي يحل أعقد مسائل البرمجة، كان يمتلك قلباً بسيطاً جداً. أتذكرون تلك اللحظة النبيلة حين عرض بكل براءة أن يهب كل مدخراته لعمه المريض؟ لم يكسر الحصالة، ولم يفرغها، بل 'عرض'. هذا العرض، هذا النبل الصغير، هو الثمرة التي تظهر نوع الشجرة. إنها ثمرة الحب الذي لا يعرف الحساب. بنيامين لم يكن يملك الكثير من المال، لكنه كان يملك كل شيء لأنه كان يملك قلباً مستعداً للتضحية. هذا الحب لا يزال يتدفق، تماماً كما يتدفق الماء من البئر الذي يحمل اسمه في فيتنام. كل قطرة تروي عطشاً هناك هي صدى لروح بنيامين التي ترفض أن تنتهي.
يقول يسوع في إنجيل اليوم: 'لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب، بل المرضى'. إننا جميعاً مرضى أمام عظمة الله، جميعنا نحتاج إلى لمسته الشافية. إن بنيامين الآن في حضرة الطبيب الأعظم، في حضرة الذي لا يخطئ في تشخيصه ولا يتأخر في رحمته. هو الآن يتنفس هواءً لا يلوثه ألم، ويحلق في فضاءاتٍ أوسع من أي طائرة كان يحلم بتصميمها. يا رايان، أنت تحمل إرث أخيك في قلبك. لا تخف من أن تعيش، أن تحلم، أن تضحك. بنيامين لا يزال معك في كل مرة تنظر فيها إلى السماء. هو مشجعك الأول من السماء، يهمس لك بأن تكمل المسيرة بقوة ورجاء. تذكر تلك الأوقات التي كنتما تحلمان فيها بمستقبلكما، وتلك الضحكات على الألعاب. هو لا يزال رفيقك، وإن كان بطريقة لا تدركها الحواس، بل يدركها القلب.
إن الحياة، كما يخبرنا القديس بولس، هي دعوة لـ 'بناء جسد المسيح'. نحن نبني هذا الجسد عندما نحب، عندما نغفر، وعندما نثق في الله حتى حين لا نفهم. بنيامين كان لبنةً نقية في هذا الجسد. لقد كان صبياً يمتلك قدرة مذهلة على رؤية الجمال، من رصد الطائرات في مطارات العالم إلى تلك اللحظات البسيطة مع عائلته. لقد كان 'متى' الخاص بكم، الذي علمكم أن الحب لا يقاس بطول السنين، بل بعمق اللحظات. لا تحاولوا أن تسرعوا في تضميد الجراح. اتركوا دموعكم تسيل إن أردتم، فالله نفسه بكى عند قبر صديقه لعازر. هو يعرف لوعة الفقد، هو يعرف ما يعنيه أن يغيب الحبيب. هو يقف معكم، يمسح دموعكم، ويقول لكم: 'إيمانكم قد خلصكم، اذهبوا بسلام'.
تذكروا حلم الأب بـ بنيامين، وهو يخبره بأنه قوي وسليم، وأن كل اختبار قد اجتازه. تلك ليست مجرد أحلام، بل هي لمحات من الحقيقة الأبدية التي ينتظرنا فيها الله. بنيامين في مكان لا ألم فيه، لا تعب، ولا انتظار. هو في مأدبة السماء، يشارك القديسين فرحهم. لا تطلبوا منه أن يعود، بل اطلبوا منه أن يصلي من أجلكم، أن يضع عائلته في قلب الله. إن الحب الذي جمعكم ببنيامين هو خيط لا يمكن لأي قوة في الأرض أو في الموت أن تقطعه.
عندما تخرجون من هنا اليوم، خذوا معكم شيئاً صغيراً: في هذا الأسبوع، عندما تشعرون بثقل الفقد، توقفوا لحظة، تنفسوا بعمق، وتخيلوا بنيامين بابتسامته الواثقة وهو يهمس لكم: 'أنا بخير يا باء، أنا في النور'. افعلوا شيئاً بسيطاً باسمه، كلمة طيبة لشخص غريب، مساعدة صغيرة، ابتسامة لمن يحتاجها. اجعلوا حبه يتدفق في العالم. كونوا أقوياء، ليس بقوتكم، بل بقوة المسيح الذي وعدنا بأنه لن يتركنا يتامى. إن الله الذي اختار بنيامين هو نفسه الذي يختاركم اليوم لتكونوا شهوداً لرجائه. ليحفظكم الله، وليمسح دموعكم، وليملأ قلوبكم بسلامٍ يفوق كل وصف، حتى نلتقي جميعاً في حضن الآب السماوي، حيث لا وداع بعد اليوم. إن بنيامين، بذكائه الفذ وقلبه الوديع، يعلمنا اليوم درساً أخيراً: أن الحياة لا تقاس بطولها، بل بعمق الحب الذي نتركه خلفنا. فلنكمل المسيرة، واثقين بأننا لسنا وحدنا، وبأن الحب الذي بدأ هنا، يكتمل هناك، في حضن الآب الذي لا يغيب عنه أحد.
For the intentions entrusted to Ben on our prayer wall:
بأمر مخلصنا وتشكيلنا بالتعليم الإلهي، نجسر على القول:
أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك، كما في السماء كذلك على الأرض. أعطنا خبزنا كفاف يومنا، واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، كما نحن نغفر لمن أخطأ وأساء إلينا، ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير. آمين.
ليبارككم الرب ويحفظكم، ويجعل وجهه يضيء عليكم ويمنحكم سلامه. آمين.
✝ ليبارِكْكُمُ اللهُ القَدير، الآبُ والابْنُ والرّوحُ القُدُس. آمين.