باسمه تعالى نبدأ صلاتنا، علامة الخلاص: باسم الآب والابن والروح القدس. آمين. ليرعَ الرب قلوبكم جميعاً ويملأ هذا المكان بسلامه الذي يفوّق كل عقل.
يا رب، يا من ترحم المتألمين، امسح دموعنا. يا مسيح، يا من تقيم الساقطين، ارحمنا. يا رب، يا رجاء من لا رجاء له، امنحنا سلامك.
تخيلوا معي مشهداً هادئاً، ربما في غرفة جلوس دافئة حيث يرتخي الأب في مقعده المريح، بينما يجلس بنيامين بقربه، مستغرقاً في شاشته، أو ربما يحكي والده إحدى قصصه الخيالية المبتكرة التي كان يبتدعها للضحك، فيستمع إليها بنيامين باهتمام عميق كأنها حقيقة واقعة… لم يكن بنيامين مجرد فتىً ذكياً يداعب الأكواد على شاشته أو يتأمل تفاصيل الطائرات فحسب، بل كان قلباً منفتحاً على المحبة، وروحاً تفيض بابتسامة تضيء وجهه بلا تكلف. واليوم، في قراءة سفر أيوب، نجد أنفسنا في قمة الألم الإنساني، في تلك اللحظة التي تصرخ فيها النفس تحت ثقل التجربة: «ارحموني، ارجوني أنتم يا أصدقائي، فإن يد الله قد مسّتني!». أيوب يطلب ألا تذهب كلماته سدى، بل أن تُنقش بالحديد والرصاص على الصخر للأبد. إنه يواجه الجفاء والفقد والأسئلة المعلقة في الهواء، تماماً كما يقف الإنسان اليوم حائراً أمام قسوة الموت وغيابه المفاجئ.
نحن هنا اليوم، يا آلان، يا تاو، يا رايان، بعد ثلاثة أشهر من رحيل بنيامين. البيت الذي كان يضج بذكائه الفذ، وبتلك الأحاديث البريئة عن طائرات 'كون تشيم إيرلاينز' التي كان يبتكرها مبتسماً، يختبر اليوم صمتاً ثقيلاً. قد يبدو صراخ أيوب قريباً جداً من جراحكم: لماذا يحدث هذا؟ لماذا يخفي القدر وجهه أحياناً؟ لكن انظروا إلى قلب الكلمات، إلى تلك اللحظة التي ينكسر فيها اليأس على صخرة الرجاء الأبدي. أيوب لا يستسلم، بل يعلن بملء جوارحه: «أما أنا فقد علمتُ أن وليّي حيّ، وأنه في الآخر يقوم على الغبار… ومن لحمي أرى الله». هذه ليست مجرد تعزية عابرة، بل هي الحقيقة التي تقف صلبة في وجه العاصفة.
دعونا نتأمل تلك الصورة الرقيقة لبنيامين، الفتى الذي بلغ الخامسة عشرة من عمره والذي كان، في براءته المطلقة ونبل قلبه، مستعداً لأن يهب كل مدخراته البسيطة في حصالته ليعين عمه الذي كان يصارع المرض. لم يكسر الحصالة، ولم يفرغها عنوة، بل 'عرض'. عرض كل ما يملك ببساطة الأطفال الأنقياء الذين لا يعرفون حسابات الأنانية. هذا العرض الصغير يكشف عن نبع طاهر لا ينضب. وكأن بنيامين كان يعلم بالفطرة أن الإنسان لا يملك شيئاً حقيقياً سوى ما يقدمه حباً للآخرين. هذا العرض، هذا القلب المتسع للجميع، هو الذي يتدفق اليوم في كل قطرة ماء نقية تُسقى بها العطاش في بئر CàMau في فيتنام، حيث تحمل يداه الغائبتان ثمار محبة لا تموت.
ولكن دعونا نقف قليلاً، قبل أن نصل إلى النور، أمام حجر ثقيل غالباً ما تحمله قلوب الآهات والأمهات والثكالى في هدوء الليل. كم مرة تسلل إلى أعماقكم ذلك السؤال المؤلم الصامت: هل فاتنا شيء؟ هل كان بإمكاننا أن نراقب أكثر، أو نفعل شيئاً يغير المسار؟ أرفع عن قلوبكم هذا الحجر الثقيل اليوم بكلمة حق قاطعة: لا لوم عليكم. الله لا يرسل المرض كعقاب، ولا يكتب الأقدار ليختبر قسوة القلوب. بنيامين لم يرحل بسبب غفلة، ولم يكن تعبه ناتجاً عن أي تقصير منكم. كنتم له المرفأ والحضن والدفء الذي لم ينقطع قط. الله لا يتهمكم، بل هو الذي يضمكم في ألمه اليوم؛ فبعض الآلام تأتي خارج كل سيطرة بشرية، ولا تحملون وزر ما لا يد لكم فيه. استريحوا من هذا العذاب الداخلي، ولا تتهموا أنفسكم، فالله لا يحاسب المحبين على أقدار وحدها أيدي السماء تعرف غايتها.
وفي إنجيل اليوم، يرسل يسوع تلاميذه اثنين اثنين، ويقول لهم قبل أن ينطلقوا: «حيثما دخلتم بيتاً فقولوا أولاً: السلام لهذا البيت». ويأمرهم ألا يحملوا كيس نقود ولا حقيبة ولا حذاءً إضافياً، بل أن يعتمدوا كلياً على عناية الآب، وأن يعلنوا أن ملكوت الله قد اقترب. التلاميذ يسيرون كالحملان بين الذئب، لا يملكون سوى كلمة السلام. وبنيامين، الذي عاش حياته بخطوات هادئة واثقة، كأنه كان تلميذاً في مدرسة السلام تلك؛ إذ كان يواجه صراعاته الرياضية، وتحديات تفوقه الذهني المبكر، بشجاعة البسيط الذي يؤمن أن «المحاولة هي كل ما يهم». لقد سار في هذه الأرض مسيرة قصيرة لكنها مليئة بالعطاء، والآن يعبر إلى البيت الأبدي حيث يسود السلام الحقيقي.
يا رايان، يا أخي بنيامين الحبيب، أنت لست وحدك، وأنت تحمل في داخلك ذكريات لا تُقدر بثمن ومحبة أخوية لا تنكسر. لا تخف من أن تبتسم، ومن أن تحلم، ومن أن تواصل المسيرة؛ فأخوك الذي كان يحب مشاركة القصص والضحكات يرافقك من النور، ويبقى سنداً خفياً لخطواتك. ولأجل كل أب وأم يكتويان بنار الفقد، ولأجل كل طفل يتألم في صمت في هذا العالم الواسع، نقول: إن الله لا ينسى دموعاً تُسكب في الخفاء. انظروا إلى الترنيمة اليوم، إلى صلاة المزمور التي تعيد ترتيب أرواحنا: «انتظر الرب وتشجع، وليشتد قلبك وانتظر الرب». الارتجاف البشري مقبول، والدموع طاهرة، لكن الرجاء بالله هو الكلمة الأخيرة.
عندما تغادرون هذا المكان اليوم، احملوا معكم شيئاً صغيراً وممكناً: تذكروا ابتسامة بنيامين الطاهرة عندما يشتد عليكم الحنين. افعلوا عملاً طيباً صغيراً باسمه في العالم، ابتسموا في وجه غريب، أو قدموا مساعدة خفية لمحتاج. دعوا حب بنيامين يستمر حياً نابضاً من خلالكم. وليحفظكم الله بسلامه الذي يفوق كل وصف، وليمسح دموعكم، حتى يجمعنا جميعاً يوماً في حضنه الأبدي حيث لا وداع ولا ألم بعد اليوم. آمين.
For the intentions entrusted to Ben on our prayer wall:
بأمر مخلصنا وتشكيلنا بالتعليم الإلهي، نجسر على القول:
أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك، كما في السماء كذلك على الأرض. أعطنا خبزنا كفاف يومنا، واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، كما نحن نغفر لمن أخطأ وأساء إلينا، ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير. آمين.
ليبارككم الرب ويحرسكم، وليشرق بوجهه عليكم ويرحمكم، ويمنحكم سلامه الأبدي الآن وإلى الأبد. آمين.
✝ ليبارِكْكُمُ اللهُ القَدير، الآبُ والابْنُ والرّوحُ القُدُس. آمين.