باسم الآب والابن والروح القدس. نلتقي اليوم في حضور الرب، واثقين أن نوره يشرق في قلوبنا حتى في أكثر لحظاتنا احتياجاً للتعزية.
يا رب، يا من تبحث عن قلوبنا في سكون الليل، ارحمنا. أيها المسيح، يا من وعدتنا بأن نكون دائماً معك، ارحمنا. يا رب، يا من تمسح كل دمعة من عيوننا، ارحمنا.
تخيلوا معي مشهداً بسيطاً، ربما مرّ بذاكرة كل واحد منكم في لحظة تأمل. بنيامين، ذلك الفتى الذي كان يرى في العالم فضاءً شاسعاً للاكتشاف، يجلس أمام حاسوبه، عيناه تلمعان ببريق الذكاء والتركيز. لم يكن يكتب مجرد أكواد برمجية، بل كان يبني في خياله أسطولاً لشركته الخيالية 'كون تشيم إيرلاينز'. كان يبتسم بذكاء، يشارك والده آلان أدق تفاصيل مشاريعه، وكأن كل سطر برمجي يكتبه هو رسالة حب، أو خطوة نحو مستقبل كان يشيده بحماس طفل وبصيرة رجل. في تلك اللحظات، لم يكن بن مجرد مراهق في الخامسة عشرة، بل كان روحاً تتوق إلى الانطلاق، روحاً تدرك في بساطتها أن الحياة ليست في امتلاك الأشياء، بل في القدرة على رؤية الجمال في التفاصيل الصغيرة، وفي الاستعداد لتقديم كل ما يملك من أجل من يحب.
في قراءة اليوم من سفر الحكمة، نسمع كلمات تلمس جوهر ما نشعر به اليوم: «الحكمة سريعة الظهور لمن يبتغيها». الحكمة هنا ليست مجرد معرفة، بل هي إدراك حضور الله في تفاصيل حياتنا. بنيامين، في حياته القصيرة والعميقة، كان يمتلك هذه الحكمة الفطرية. أتذكرون تلك اللحظة التي عرض فيها، بكل براءة وصدق، أن يهب كل ما في حصالته لعمه المريض؟ لم يكسر الحصالة، ولم يفرغها، بل عرض. كان العرض بحد ذاته هو الجوهر. هذا هو القلب الذي كان ينبض في صدر بنيامين: قلبٌ لا يعرف الأنانية، قلبٌ يرى في الآخرين جزءاً من كيانه الخاص. لقد كان بن يدرك بالفطرة أن «الثروة الحقيقية» ليست في المال، بل في العطاء.
أعرف أن الألم الذي تعيشونه اليوم، أيتها الأم تاو، وأيها الأب آلان، وأنت يا رايان يا من تحمل ذكريات أخيك كأغلى ما تملك، هو ألم لا يمكن وصفه بالكلمات. بعد أربعة أشهر من رحيل بن، قد تشعرون أن الأرض لا تزال تهتز تحت أقدامكم. قد يتسلل ذلك السؤال الخانق في هدوء الليل: «لماذا؟». قد تحاولون البحث عن إجابات في الفحوصات، في الأيام، في القرارات التي اتخذتموها. أريد أن أقول لكم اليوم، وبكل ثقة الكنيسة، إن هذا الألم ليس دليلاً على تقصيركم. إن المرض الذي واجهه بن لم يكن عقاباً، ولم يكن نتيجة لغفلة أو إهمال. إن بعض الآلام في هذا العالم تأتي كعاصفة لا يملك الإنسان أمامها إلا أن يثبت قلبه في الله. لقد كنتم له كل شيء؛ كنتم المرفأ، كنتم السند، وكنتم الحب الذي لم يعرف حدوداً. لا تحملوا على عاتقكم حجر اللوم، فهو حجر لا يطلبه الله منكم. الله لا يتهمكم، فلا تتهموا أنفسكم. لقد كان بن عطية من الله، وقد عاد إلى الله، وهو الآن في «مأدبة السماء» التي يحدثنا عنها إنجيل اليوم.
في إنجيل اليوم، يطرح يسوع قصة العذارى العشر اللواتي كن ينتظرن العريس. «خمس منهن كن حكيمات، وخمس جاهلات». الجاهلات هن اللواتي لم يحملن زيتاً، أما الحكيمات فكن مستعدات. قد يبدو هذا الزيت شيئاً غامضاً، لكنه في الحقيقة هو «زيت المحبة» الذي نملأ به سراج حياتنا. بنيامين كان يحمل زيتاً وفيراً. كان يحمل محبة لا تنفد، كان يحمل ضحكة كانت تضيء غرفته، كان يحمل شغفاً بالطيران وبمستقبل كان يخطط له. عندما أتى العريس في منتصف الليل، كان بن مستعداً. ليس لأنه كان يملك كل الإجابات، بل لأنه كان يملك قلباً محباً. لقد كان سراج بن متقداً، وهذا هو «الثراء الحقيقي» الذي يتحدث عنه الرب.
يا رايان، يا رفيق درب أخيك، ويا من تحمل في قلبك ذكريات لا يعرفها أحد غيركما: استمر في العيش بفرح، ليس لأن الحزن قد انتهى، بل لأن الحب الذي كان بينكما هو رابطة لا يقطعها الموت. بن يحبك، وهو يراقب خطواتك، ويريد منك أن تكون سعيداً، أن تحلم، وأن تحلق كما كان هو يحلم. وإلى كل أب وأم يتابعوننا اليوم، ويحملون صليباً مشابهاً: اعلموا أن الله يرى انحناء ظهوركم، ويسمع صدى تنهداتكم. لا تتركوا الغموض يسرق منكم سلامكم. الله هو الراعي الصالح، وهو الذي يقودنا في الوادي المظلم، لا لنهلك فيه، بل لنعبر من خلاله إلى النور. إن بن اليوم، تماماً كالقديس كارلو أكوتيس، هو شفيع لكم ولعائلتكم، يرفع صلواته من أجلكم ومن أجل كل طفل يتألم.
إن المحبة التي كان يفيض بها قلب بن لا تزال تعمل في العالم. إن ذلك البئر الذي حُفر باسمه في فيتنام، والذي يروي عطش الفقراء، هو علامة حية على أن الحياة التي يلمسها الله لا تنتهي أبداً. إنها تتدفق، كما كان قلبه يتدفق حباً. لا تحزنوا كمن لا رجاء لهم. بن ليس في القبر، بن في حضن الآب. إنه يراكم، يراقبكم، يبتسم لكم في أحلامكم، ويشجعكم على أن تواصلوا المسيرة. عندما تشعرون بالثقل، تذكروا أن المسيح الذي «أخلى نفسه» هو الذي يحمل معكم هذا الصليب. هو الذي يمسح دموعكم، وهو الذي يعرف قيمة كل دمعة ذرفتموها على ابنكم.
إن الحكمة التي تحدث عنها سفر الحكمة اليوم هي أن نثق بأن الله يسبقنا دائماً. بن لم يضع، بل هو الآن في المكان الذي أعده له الرب. عندما تشعرون بالبرد، تذكروا دفء ابتسامته. عندما تشعرون بالضياع، تذكروا ثقته في والده. عندما تشعرون بالوحدة، تذكروا أنكم محاطون بحب الله الذي لا يغيب. إن الحياة التي عاشها بن هي شهادة على أن الإنسان يمكن أن يكون كبيراً بقلبه، حتى لو كان صغيراً في عمره. لا تبحثوا عن إجابات في الماضي، بل ابحثوا عن أمل في المستقبل، في ذلك اللقاء الذي ينتظرنا جميعاً في بيت الآب.
عندما تخرجون من هنا اليوم، احملوا معكم هذا الشيء الصغير: في هذا المساء، انظروا إلى السماء، وتذكروا طائرة تحلق في الأفق. لا لتذكروا موته، بل لتذكروا نور حياته الذي لا يزال يشع في بيتكم. كونوا لطفاء مع أنفسكم كما كان بن لطيفاً معكم. اسمحوا لأنفسكم أن تحزنوا، ولكن لا تسمحوا للحزن أن يسجنكم. بن بخير، وهو في يد الله، حيث لا ألم ولا بكاء، فقط سلام أبدي. ارفعوا قلوبكم، لأن المأدبة التي دعي إليها بن هي مأدبتنا جميعاً، وهي مأدبة لا تنتهي. وليكن سلام الله الذي يفوق كل عقل، يحفظ قلوبكم وأفكاركم في المسيح يسوع، الذي هو طريقنا وحقنا وحياتنا. آمين.
For the intentions entrusted to Ben on our prayer wall:
بأمر مخلصنا وتشكيلنا بالتعليم الإلهي، نجسر على القول:
أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك، كما في السماء كذلك على الأرض. أعطنا خبزنا كفاف يومنا، واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، كما نحن نغفر لمن أخطأ وأساء إلينا، ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير. آمين.
ليبارككم الرب ويحفظكم، وليجعل وجهه يضيء عليكم ويمنحكم سلامه. آمين.
✝ ليبارِكْكُمُ اللهُ القَدير، الآبُ والابْنُ والرّوحُ القُدُس. آمين.