باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين. نلتقي اليوم لنرفع قلوبنا معاً في صلاة وكلمة حياة، واثقين بأن الرب الذي يحصي شعرات رؤوسنا يجمعنا في محبته الأبدية.
يا رب، يا من ترعانا كأثمن العطايا، ارحمنا. يا مسيح، يا من تختبر قلوبنا وتعرف خفاياها، ارحمنا. يا رب، يا من تحفظ أسماءنا في نور وجهك، ارحمنا.
تخيلوا معي مشهداً هادئاً، ربما في إحدى تلك الأمسيات التي كان فيها بنيامين يجلس إلى جانب والده، يراقبان معاً حركة الطائرات وهي تشق سكون السماء، أو يتحدثان بشغف عن حلمه الجميل بإنشاء شركة طيران خاصة أسماها ببراءة واعتزاز 'كون تشيم إيرلاينز'، ليعقب ذلك بضحكاته المعهودة التي تملأ المكان دفئاً. لم يكن بنيامين مجرد فتى ذكي يمتلك عقلاً يسبق سنواته في عالم البرمجة والتقنية، بل كان يحمل في عينيه بريقاً من الدهشة النقية، دهشة طفل يرى في تفاصيل العالم هندسة إلهية بديعة. في تلك اللحظات، لم يكن هناك صخب، بل كان هناك حضورٌ خالص، حضورُ ابنٍ يثق بوالده، وابنٍ يرى في والده بوصلةً للحياة. اليوم، يضع بولس الرسول أمامنا في رسالته إلى أهل أفسس حقيقةً مذهلة تجسد هذه الثقة: 'في المسيح اخْتُرْنَا أيضاً، مُعَيَّنينَ سَبقاً حسب قصد الذي يعمل كل شيء بحسب رأي مشيئته'.
تأملوا في هذه الكلمة: 'اختُرنا'. بنيامين، ذلك الفتى الذي كان يحب الطيران ويرقب بشغف مسارات الطائرات، كان يدرك بالفطرة أن الرحلة لا تكتمل إلا بوجود وجهة، وبوجود من يحملنا في قلبه. لقد كانت حياته، رغم قصرها، رحلةً نحو هذه الوجهة الإلهية. كان بنيامين، بذكائه الوقاد وعقله الذي يغوص في أعماق البرمجة والأنظمة، يدرك بالفطرة أن الأشياء تعمل بشكل صحيح فقط عندما يكون الداخل متناغماً مع الخارج. لكن دعونا نتوقف هنا، عند صورة أخرى يقدمها لنا إنجيل اليوم، صورة العصافير الصغيرة التي تُباع بخمسة فلسات، ومع ذلك 'لا واحد منها مغفل عند الله'. يسوع يقول لنا بصوت دافئ ومطمئن: 'بل شعيرات رؤوسكم جميعاً محصاة. فلا تخافوا، أنتم أفضل من عصافير كثيرة'.
تأملوا في صورة بنيامين وهو يضع يده على قلبه، ذلك القلب الذي كان يتسع للجميع. أتذكرون تلك اللحظة التي أخبر فيها والديه، ببراءة منقطعة النظير، أنه مستعد للتخلي عن كل ما في حصالته ليساعد عمه الذي كان يصارع المرض؟ لم يكسر الحصالة، ولم يفرغها عنوة، بل 'عرض'. هذا العرض الصغير، الذي صدر عن قلبٍ لا يعرف الأنانية، كان يعبر عن نفسٍ أبية تود لو تملك الكون كله لتهديه لمن تحب. هذا هو العطاء الحقيقي الذي يراه الله، عطاء الباطن النقي الذي لا يحتاج إلى مظاهر خادعة. إن الله لا ينظر إلى ما يظهر للناس، بل يحصي نبضات الحب الخفية في أعماقنا، تماماً كما أحصى أيام بنيامين وكل تفاصيل حياته الجميلة.
يا آلان، يا تاو، يا رايان، أعلم أن البيت الذي كان يضج بذكاء بنيامين وضحكاته وبركضات أيامه يختبر اليوم صمتاً ثقيلاً. قد تبدو كلمات يسوع عن الخوف والاطمئنان صدىً لألمٍ عميق في قلوبكم. إنها لحظة الصدق التي يجب أن نواجهها: أننا بذلنا كل شيء، أحببنا بكل ما أوتينا من قوة، سهرنا، راقبنا، وربينا. ومع ذلك، تأتي لحظات في الحياة لا تشبه حصاداً كنا نرجوه، بل تشبه عاصفةً غير متوقعة. دعونا نقف هنا، أمام حجر ثقيل غالباً ما تحمله قلوب الآباء والأمهات في هدوء الليل. كم مرة تسلل إلى أعماقكم ذلك السؤال المؤلم الصامت: هل فاتنا شيء؟ هل كان بإمكاننا أن نراقب أكثر، أو نفعل شيئاً يغير المسار؟ أرفع عن قلوبكم هذا الحجر الثقيل اليوم بكلمة حق قاطعة: لا لوم عليكم. الله لا يرسل المرض كعقاب، ولا يكتب الأقدار ليختبر قسوة القلوب. بنيامين لم يرحل بسبب غفلة، ولم يكن تعبه ناتجاً عن أي تقصير منكم. كنتم له المرفأ والحضن والدفء الذي لم ينقطع قط. الله لا يتهمكم، بل هو الذي يضمكم في ألمه اليوم؛ فبعض الآلام تأتي خارج كل سيطرة بشرية، ولا تحملون وزر ما لا يد لكم فيه. استريحوا من هذا العذاب الداخلي، ولا تتهموا أنفسكم، فالله لا يحاسب المحبين على أقدار وحدها أيدي السماء تعرف غايتها. لقد كنتم له كل شيء، وهو الآن في حضن من هو أعظم من كل شيء.
في إنجيل اليوم، يحذرنا يسوع من الرياء ومن كل ما يخفي الحقيقة، مؤكداً أن 'ليس مكتوم لن يُستعلن، ولا خفي لن يُعرف'. إن ما عاشه بنيامين من صدق وبساطة وطيبة قلب لم يكن خفياً أمام الله. كل ابتسامة رسمها على وجوه أهله، وكل قصة استمع فيها لوالده باهتمام كأنها حكاية من عالم آخر، وكل حلم راوده وهو يراقب الطائرات تحلق في الأفق.. كل ذلك معروف ومحفوظ في قلب الآب السماوي. بنيامين لم يكن يخفي شيئاً من محبته؛ لقد كان كتاباً مفتوحاً من البراءة والنقاء.
يا رايان، يا أخي بنيامين الحبيب، أنت تحمل في داخلك ذكريات لا تُقدر بثمن ومحبة أخوية لا تنكسر. لا تخف من أن تبتسم، ومن أن تحلم، ومن أن تواصل المسيرة؛ فأخوك الذي كان يحب مشاركة اللحظات معك يرافقك من النور، ويبقى سنداً خفياً لخطواتك. تذكر دائماً أن يسوع، الذي يحصي شعرات رأسك ويحفظك في كفه، لا يتركك أبداً وحدك. عندما تنظر إلى السماء وتتذكر شغف بنيامين بالطيران، اعلم أن أخاك يحلق اليوم في فضاء السلام الإلهي، وهو يبتسم لك ويدعوك لتكمل الحياة بشجاعة وفرح.
عندما تغادرون هذا المكان اليوم، احملوا معكم شيئاً صغيراً وممكناً: تذكروا ابتسامة بنيامين الدافئة عندما يشتد عليكم الحنين. افعلوا عملاً طيباً صغيراً وبسيطاً باسمه في العالم، ابتسموا في وجه غريب، أو قدموا مساعدة خفية لمحتاج، تماماً كما امتد أثره الطاهر ليروي قلوب الآخرين. دعوا حب بنيامين يستمر حياً نابضاً من خلالكم. وليحفظكم الله بسلامه الذي يفوق كل وصف، وليمسح دموعكم، حتى يجمعنا جميعاً يوماً في حضنه الأبدي حيث لا وداع ولا ألم بعد اليوم. آمين.
For the intentions entrusted to Ben on our prayer wall:
بأمر مخلصنا وتشكيلنا بالتعليم الإلهي، نجسر على القول:
أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك، كما في السماء كذلك على الأرض. أعطنا خبزنا كفاف يومنا، واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، كما نحن نغفر لمن أخطأ وأساء إلينا، ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير. آمين.
ليبارككم الرب ويحرسكم، وليشرق بوجهه عليكم ويرحمكم، ويمنحكم سلامه العذب اليوم وإلى الأبد. آمين.
✝ ليبارِكْكُمُ اللهُ القَدير، الآبُ والابْنُ والرّوحُ القُدُس. آمين.