باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين. نرحب بكم جميعاً في هذا اللقاء الذي يجمعنا في محضر الرب، لنستقي من كلمته عزاءً يداوي الجراح ورجاءً يضيء عتمة الليالي.
يا رب، يا من تمسح الدموع عن كل الوجوه، ارحمنا. يا مسيح، يا من تدعونا إلى وليمتك الأبدية، ارحمنا. يا رب، يا من تقودنا إلى مراعٍ خضراء وتريح نفوسنا، ارحمنا.
تأملوا معي تلك الصورة التي لا تفارق ذاكرة المحبين: صبيٌّ في الخامسة عشرة، يتربع في زاوية هادئة، يغوص بعقله الوقاد في عالم الأرقام والبرمجة، ثم يرفع رأسه فجأة ليشارك والده فكرةً جديدة، أو ليضحك من أعماق قلبه على حلمٍ طفوليٍّ بريء، كحلمه بإنشاء شركة طيران خاصة أسماها بمحبةٍ وعفوية «كون تشيم إيرلاينز». لم يكن بنيامين مجرد عقلٍ يسبق زمنه، بل كان روحاً تحلق في فضاءات المحبة قبل أن تحلق في فضاءات السماء. اليوم، يأخذنا إشعياء النبي إلى قمة جبلٍ مختلف، جبلٍ لا يرتفع فوق الأرض فحسب، بل يرتفع فوق الموت نفسه. يقول: «على هذا الجبل، سيمسح الرب الإله الدموع عن كل الوجوه». إنه وعدٌ يتجاوز كل ما نختبره من فقدان، ويتجاوز كل ما نعيشه من ألم.
في إنجيل اليوم، يصف يسوع ملكوت السموات كوليمة عرس، وليمةٍ أعدها الملك لابنه. لكن، تأملوا المفارقة: الدعوة عامة، والباب مفتوح، والكل مدعو – «الأشرار والأخيار على حد سواء». إنها صورة الله الذي لا يضيق ذرعاً بأحد، الله الذي يريد أن يملأ قاعة عرسه بوجوهنا جميعاً. لكن هناك تفصيلة تثير فينا التساؤل: الرجل الذي دخل دون «ثوب العرس». قد يبدو الأمر قاسياً، لكنه في الحقيقة دعوة لنتأمل في «ثوبنا» نحن. ما الذي نرتديه حين نقف أمام الله؟ هل نرتدي ثوب الكبرياء، أم ثوب التبرير، أم ثوب الحزن الذي نرفض أن نخلعه؟ بنيامين، ذلك الفتى الذي كان يملك استعداداً غريباً ومدهشاً للعطاء، كحين أراد أن يهب كل ما في حصالته لعمه المريض، كان يرتدي دائماً ثوب المحبة الصافية. لم يكن يحتاج لشيء ليثبت جدارته؛ كان عطاؤه نابعاً من جوهره، من قلبه الذي كان يرى في ألم الآخرين نداءً لا يمكن تجاهله.
يا آلان، يا تاو، يا رايان، أعلم أن الفراغ الذي تركه بنيامين يمتد في أرجاء البيت كصمتٍ لا يقطعه إلا ذكريات ضحكاته. أعلم أن السؤال الذي يتردد في أعماقكم، في تلك الساعات التي يغلب فيها الحنين، هو: لماذا؟ لماذا هذا الطريق؟ لماذا هذا الفقد؟ وأنا هنا اليوم، لا لأقدم إجابات فلسفية باردة، بل لأقف معكم في صدق الألم. دعونا نسمي الأشياء بأسمائها: الفقد ثقيل، وغياب الابن والأخ جرحٌ لا يندمل بسرعة. لكنني أقول لكم اليوم، وبكل ثقة الكنيسة التي تعرف ألم الصليب: الله لا يرسل المرض ليعاقب، والله لا يكتب الأقدار ليعذب. بنيامين لم يرحل بسبب غفلة، ولم يكن تعبه ناتجاً عن أي تقصير منكم. كنتم له المرفأ والحضن والدفء الذي لم ينقطع قط. الله لا يتهمكم، بل هو الذي يضمكم في ألمه اليوم؛ فبعض الآلام تأتي خارج كل سيطرة بشرية، ولا تحملون وزر ما لا يد لكم فيه. استريحوا من هذا العذاب الداخلي، ولا تتهموا أنفسكم، فالله لا يحاسب المحبين على أقدار وحدها أيدي السماء تعرف غايتها. لقد كنتم له كل شيء، وهو الآن في حضن من هو أعظم من كل شيء.
تأملوا في صورة بنيامين وهو يعرض حصالته، أو وهو يشارك أخاه الصغير رايان ألعاباً وأحلاماً. هذا هو «ثوب العرس» الذي كان يرتديه: ثوب البراءة، ثوب التضحية، ثوب الابن الذي يعرف كيف يحب. وعندما يقول بولس الرسول في رسالته اليوم: «أستطيع كل شيء في الذي يقويني»، فهو لا يتحدث عن قوة خارقة، بل عن تلك القوة التي تمنحنا القدرة على العيش في «الفقر والوفرة»، في الفرح والحزن، في الحضور والغياب. إنها قوة الروح التي ساندت بنيامين في رحلته، وهي القوة نفسها التي تسندكم اليوم لتكملوا الطريق، لتضحكوا من أجل رايان، ولتستمروا في العطاء باسم بنيامين.
بنيامين الآن في الوليمة التي وعد بها إشعياء. هو لا يحتاج إلى «ثوب العرس» الذي نصنعه نحن من أعمالنا، بل يرتدي ثوب النعمة الذي ألبسه إياه الرب. هو الذي كان يحب مراقبة الطائرات، يحلق الآن في سماء لا حدود لها، يراقبكم بعين المحبة، يرافقكم في كل خطوة، ويصلي معكم ولأجلكم. لا تظنوا أنه بعيد. هو حاضر في كل لمسة حنان، في كل عمل خير تقومون به باسمه، وفي كل مرة تذكرون فيها اسمه بابتسامة.
يا رايان، أنت تحمل في قلبك ذكريات لا تُقدر بثمن. أخوك لم يرحل ليتركك وحيداً، بل رحل ليصبح حارساً لخطواتك. تذكر دائماً تلك اللحظات التي كنتما تتشاركان فيها الأحلام، وتذكر أن المحبة التي جمعتكما هي أقوى من الموت. لا تخف من أن تعيش، ولا تخف من أن تحلم، فبنيامين يحب أن يراك سعيداً، يحب أن يراك تكبر وتنمو في المحبة كما كان هو ينمو.
عندما تخرجون من هذا المكان، احملوا معكم هذا العزاء: الله يمسح الدموع، ليس بمعنى أنه يمحو الذكرى، بل بمعنى أنه يمحو مرارة الفقد ويستبدلها بسلام لا يُوصف. افعلوا شيئاً واحداً صغيراً اليوم باسم بنيامين: ابتسموا لغريب، ساعدوا محتاجاً في الخفاء، أو تأملوا في سماءٍ صافية وتذكروا أن بنيامين هناك، في قلب الله، ينتظركم. كونوا أقوياء، ليس لأنكم لا تتألمون، بل لأنكم تعرفون أن الألم ليس الكلمة الأخيرة. الكلمة الأخيرة هي المحبة، والمحبة لا تموت أبداً. آمين.
For the intentions entrusted to Ben on our prayer wall:
بأمر مخلصنا وتشكيلنا بالتعليم الإلهي، نجسر على القول:
أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك، كما في السماء كذلك على الأرض. أعطنا خبزنا كفاف يومنا، واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، كما نحن نغفر لمن أخطأ وأساء إلينا، ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير. آمين.
ليبارككم الرب ويحفظكم، وليجعل وجهه يضيء عليكم ويمنحكم السلام. ولتكن بركة الله الآب والابن والروح القدس معكم دائماً. آمين.
✝ ليبارِكْكُمُ اللهُ القَدير، الآبُ والابْنُ والرّوحُ القُدُس. آمين.