باسم الآب والابن والروح القدس، إله واحد، آمين. نلتقي اليوم في رحاب هذا العيد المجيد، لنرفع قلوبنا مع جموع القديسين الذين يحيطون بعرش الحمل، واضعين بين أيديهم حياة بنيامين وكل أحبائنا الراقدين.
يا رب، ارحم ضعفنا وقلة إيماننا. يا رب، ارحم دموعنا المكتومة في صمت الليل. يا رب، ارحم قلوبنا التي تتوق لرؤية وجهك في النور.
تخيلوا معي مشهداً من عالم بنيامين الصغير، ذلك العالم الذي كان يجمع بين دقة المهندس وبراءة الطفل. بن، في شغفه بالطيران، لم يكن يكتفي بمراقبة الطائرات من بعيد؛ كان يرى في قمرة القيادة مكاناً للتحكم، للرؤية الواضحة، وللانطلاق نحو آفاق جديدة. كان يحب أن يشارك والده آلان أدق تفاصيل 'كون تشيم إيرلاينز'، تلك الشركة الخيالية التي لم تكن سوى انعكاس لروحه التي كانت تتوق للارتفاع فوق غيوم الأرض، نحو سماء لا تعرف قيوداً ولا أوجاعاً. كان بن يبتسم بذكاء، وبيدين صغيرتين كان يخطط لمستقبل لا يراه سواه، مستقبلاً لم يكن يعلم أن الله كان يعدّه له في مكان أبعد بكثير من أي وجهة تصل إليها طائرة بوينج 737.
في قراءة اليوم من سفر الرؤيا، يصف لنا يوحنا مشهداً مذهلاً: «جمهوراً كثيراً لا يستطيع أحد أن يحصيه، من كل أمة وقبيلة وشعب ولسان، واقفين أمام العرش وأمام الحمل». إنهم يرتدون حللاً بيضاء، غسلوها بدم الحمل. تأملوا في هذه الحلل البيضاء. إنها ليست رمزاً للكمال البشري، بل هي رمز للحياة التي مرّت عبر «الضيق العظيم» وخرجت منه نقية، مغسولة، ومقدسة. بن، الذي عاش خمسة عشر عاماً من النقاء، هو اليوم جزء من هذا الجمهور. لا أقول هذا ككلمات مواساة عابرة، بل كحقيقة إيمانية نتمسك بها حين تضيق بنا السبل. إنه يقف اليوم، بذكائه الوقاد وقلبه الرقيق، أمام العرش الذي كان يحلم به في صلواته وفي بساطته.
أعرف أن الألم لا يزال يترك بصماته في زوايا بيتكم. أيتها الأم تاو، أيها الأب آلان، ويا رايان يا رفيق دربه، إن الفراغ الذي تركه بن ليس مجرد مكان شاغر، بل هو حضور صامت يرافقكم في كل تفاصيل يومكم. أعلم أن السؤال الذي يتردد في أعماقكم، ذلك السؤال الذي لا يجرؤ أحد على نطقه بصوت عالٍ، هو: «لماذا؟». قد تشعرون بوطأة لوم الذات، ذلك الحجر الثقيل الذي يهمس لكم بأنكم كان يمكن أن تفعلوا المزيد. اليوم، وبقوة كلمة الله، أقول لكم: كفوا عن هذا الاتهام. الله لا يعاقب، والله لا يرسل المرض ليختبر صلابتكم. بن لم يرحل بسبب غفلة، ولم تكن حياته أقل من كاملة في نظر الله. لقد كنتم له المرفأ والحضن والدفء. إن سؤال «لماذا» هو سؤالنا نحن، لا سؤال الله. الله لا يجيبنا بشرحٍ نظري، بل يجيبنا بحضوره في وسط ألمكم، تماماً كما كان بن حاضراً معكم في كل رحلة، في كل حلم، وفي كل ابتسامة.
تأملوا في كلمات القديس يوحنا في الرسالة الثانية: «نحن الآن أبناء الله، ولم يظهر بعد ما سنكون عليه. ونعلم أننا إذا ظهر، سنكون أمثاله لأننا سنراه كما هو». هذه هي الحقيقة التي تكسر شوكة الموت. بن ليس بعيداً. إنه في حضن الآب، يرى الله «كما هو»، وهذا يعني أنه يرى الحقيقة التي لا نراها نحن وسط ضباب الحزن. هو يرى أن كل دمعة ذرفتموها، وكل ليلة قضيتموها في السهر، كانت محفورة في قلب الله. هو يرى أن حبه لكم، ذلك الحب الذي جعله يفكر في التبرع بحصيلته لعمه، لم يذهب سدى، بل صار جزءاً من كنوز السماء.
في الإنجيل اليوم، يعلن يسوع التطويبات. «طوبى للمساكين بالروح... طوبى للمحزونين... طوبى للأنقياء القلوب، فإنهم يعاينون الله». بن كان من هؤلاء. كان نقياً في قلبه، صادقاً في عطائه، ومحباً لعائلته بصدق لا يعرف الزيف. إنه اليوم يرتل هذه التطويبات في حضرة الرب. وعندما تنظرون إلى صورته، لا تروا فيها ذكرى من الماضي، بل تروا فيها وعداً للمستقبل. هو ينتظركم. هو لا يزال ذلك الأخ الذي يحب رايان، والابن الذي يملأ قلب والديه فخراً. إن حلم الأب آلان، حين رأى بن في المنام، صحيحاً ومعافى، ليس مجرد خيال، بل هو لمسة من عالم حيث لا وجود للألم. بن لا يزال يراقبكم، يراقب خطواتكم، ويشجعكم على أن تعيشوا، أن تحبوا، وأن تواصلوا المسيرة.
إلى كل من يتابعنا ويحمل صليباً ثقيلاً، إلى كل عائلة فقدت طفلاً، إلى كل قلب يصارع ليلاً طويلاً: اعلموا أنكم لستم وحدكم. الله يرى انحناء ظهوركم، ويسمع صدى تنهداتكم. لا تحملوا ثقل اللوم، فهو حجر لا ينبغي أن يكون على أكتافكم. اتركوه عند قدمي يسوع. هو الذي دعا المتعبين وثقيلي الأحمال ليرتاحوا عنده. بن اليوم في «مأدبة السماء»، لا يحتاج إلى حصالة، ولا يحتاج إلى طائرات، لأنه يملك ملكوت الله. وهو ينتظركم، يراقب خطواتكم، ويشجعكم على أن تعيشوا، أن تحبوا، وأن تواصلوا المسيرة، تماماً كما كان يفعل هو بابتسامته الدائمة.
عندما تخرجون من هنا اليوم، احملوا معكم هذا الشيء الصغير: في المرة القادمة التي تنظرون فيها إلى السماء، لا تكتفوا بالنظر. تذكروا أنكم لستم غرباء عن الله، بل أنتم أهل بيته. بن الآن يسبقكم في هذا البيت، وهو يمهد لكم الطريق بصلواته. كونوا لطفاء مع أنفسكم كما كان بن لطيفاً معكم. لا تطلبوا الكمال في حزنكم، بل اطلبوا الحضور الإلهي. وليكن سلام الله الذي يفوق كل عقل، يحفظ قلوبكم وأفكاركم في المسيح يسوع. آمين.
For the intentions entrusted to Ben on our prayer wall:
بأمر مخلصنا وتشكيلنا بالتعليم الإلهي، نجسر على القول:
أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك، كما في السماء كذلك على الأرض. أعطنا خبزنا كفاف يومنا، واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، كما نحن نغفر لمن أخطأ وأساء إلينا، ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير. آمين.
ليبارككم الرب ويحفظكم، وليجعل وجهه يضيء عليكم ويمنحكم سلامه. آمين.
✝ ليبارِكْكُمُ اللهُ القَدير، الآبُ والابْنُ والرّوحُ القُدُس. آمين.