باسم الآب والابن والروح القدس. نلتقي اليوم، يا أحبائي، حول كلمة الله الحية، واضعين رجاءنا في رحمته التي لا تفنى.
يا رب، يا من ترحم الضعفاء، ارحمنا. أيها المسيح، يا رجاء من لا رجاء له، ارحمنا. يا رب، يا من تُقيم الساقطين، ارحمنا.
تخيلوا معي مشهداً صغيراً ومألوفاً: صبيًّا يمسك بقلم رصاص، أو يجلس أمام شاشة صغيرة، يكتب سطراً تلو الآخر من التعليمات البرمجية، محاولاً هندسة عالم صغير متكامل وخاص به. كان بنيامين يرى في المنطق والنظام طريقة لترتيب العالم، لجعله مكاناً آمناً ومفهوماً. في تلك اللحظات الهادئة، لم يكن هناك صخب، بل كان هناك تركيز عميق، وفضول نقي لرؤية كيف تعمل الأشياء وكيف تترابط أجزاؤها. واليوم، يأخذنا إنجيل لوقا إلى ساحة أخرى تماماً، ساحة صراع يتدخل فيها يسوع ليواجه اتهامات باطلة، قائلين إن ما يفعله بقوة الشر، بينما هو يحرر بـ«إصبع الله». دعونا نقف أمام هاتين الصورتين: رغبة البشر الدائمة في فهم القوى المحيطة بنا، ويد الله الخفية التي تأتي لتغير الموازين تماماً.
تأملوا في هذه الصورة التي يقدمها لنا الإنجيل عن «الإصبع الإلهي». يسوع يتحدث عن البيت الذي تقاوم أجزاؤه بعضها البعض، وعن القوي المدجج بالسلاح الذي يحرس قصره، حتى يأتي من هو «أقوى منه» ليأخذ سلبا ويوزع غنائمها. إنها صورة القوة التي لا تُقهر، ليس بطشاً، بل حضوراً شافياً ومحرراً. بنيامين، بذكائه الحاد وشغفه بالتقنية والهندسة، كان يعلم أن أي نظام متقن يحتاج إلى بنية صحيحة، إلى أساس لا ينهار. لقد كان يرى في الطائرات التي تشق السماء، وفي كل نظام يدرسه، دقة تتجاوز حدود العشوائية. لكن، في أعمق زوايا الحياة، نكتشف أن قوتنا الخاصة، وكل ما نملكه من تحكم، تظل محدودة أمام عواصف هذا العالم.
دعونا نواجه الحقيقة بصمت وأمانة. هناك ليالٍ يشعر فيها الإنسان أن البيت قد فرغ، وأن النظام الذي تعبنا في بنائه قد اهتز من أساسه. تفكرون يا آلان ويا تاو، ومعكم رايان الحبيب، في ذلك الفراغ الذي يترك صداه في أركان البيت، وتتساءلون كيف يمكن لهذا العالم أن يستمر بلا ضحكة بنيامين، بلا تلك الأسئلة الذكية والنقاشات التي كانت تملأ الأجواء. قد تقفز إلى أذهانكم تلك الأفكار الثقيلة، تفتشون في الذاكرة عن تفاصيل الأيام، متسائلين في هدوء الليل العنيف عما إذا كان بالإمكان تغيير شيء. أرفع عن قلوبكم هذا الحجر الثقيل اليوم بكلمة حق قاطعة: لا لوم عليكم. الله لا يرسل المرض كعقاب، ولا يكتب الأقدار ليختبر قسوة القلوب. بنيامين لم يرحل بسبب غفلة، ولم يكن تعبه ناتجاً عن أي تقصير منكم. كنتم له المرفأ والحضن والدفء الذي لم ينقطع قط. الله لا يتهمكم، بل هو الذي يضمكم في ألمه اليوم؛ فبعض الآلام تأتي خارج كل سيطرة بشرية، ولا تحملون وزر ما لا يد لكم فيه. استريحوا من هذا العذاب الداخلي، ولا تتهموا أنفسكم، فالله لا يحاسب المحبين على أقدار وحدها أيدي السماء تعرف غايتها.
ثم يأتي Turn الإنجيل ليكسر هذا السكون المطبق. يسوع يقول: «إن كنتُ بإصبع الله أخرج الشياطين، فقد أقبل عليكم ملكوت الله». هنا يكمن المفتاح. ليس في قوتنا نحن، بل في حضور الله الذي يقترب منا تماماً في وسط العاصفة. تذكروا بنيامين، ليس فقط في مرضه أو في رحيله، بل في روحه السخية. تذكروا حين أراد، ببراءة تامة ودون أن يطلب منه أحد، أن يمنح حصالته الكاملة لعمه William الذي كان يعاني من آثار المرض، لم يكن يملك وقتها سوى رغبة واحدة مطلقة: أن يعطي كل ما لديه لمن يحب. لم يكن الأمر بحاجة إلى كسر الخزنة أو تنفيذ مادي معقد؛ العطاء كان كامناً في الطواعية، في استعداد فتىً في الخامسة عشرة أن يسلم كل ما يملك من أجل إنسان آخر. هذا هو النقاء الذي طبع حياته، وهذا هو الأثر الذي لا يمحى.
في رسالة القديس بولس إلى أهل غلاطية اليوم، يذكرنا أن البر لا يأتي بأعمال النصوص وحدها، بل بالإيمان الذي يفتح الباب لبركة إبراهيم ولروح الموعد. بنيامين عاش هذا الإيمان بطريقته الخاصة؛ فقد كان يحب أن يتخيل طيرانه الخاص، حتى أنه كان يمزح بابتسامة غامرة عن تأسيس شركة طيران سماها بمحبة وسخرية لطيفة «كون chim airlines»، وكان يضحك وهو يتحدث عنها، عاكساً تلك الروح الحرة التي لا تعترف بالقيود. روحه اليوم تحلق حقاً، ليس على أجنحة حديدية، بل في فضاء الرحمة الإلهية غير المحدودة.
إليك يا رايان، يا سند أخيك الحبيب وأنيسه، أقول: لا تخف من حمل الذكريات الجميلة. عندما تتذكر طرائفكم معاً، وذاك الشغف المشترك بكل ما يتعلق بالطائرات والرحلات، اعلم أن أخاك يبتسم لك من النور. تذكر كم كان يحب أن يشاركك القصص والأحلام. حافظ على هذا الدفء في قلبك، واسمح لسلام الله أن يملأ خطواتك.
عندما تغادرون هذا المكان اليوم، احملوا معكم شيئاً واحداً صغيراً وممكناً: تذكروا ابتسامة بنيامين الطاهرة عندما يشتاق إليه قلبكم، واصنعوا باسمه عملاً صغيراً وخفياً للمحبة، كأنكم تمدون يد العون لغريب، ليبقى عطاؤه حيّاً نابضاً في العالم من حولكم. وليحفظكم الله بسلامه الذي يفوق كل وصف، ويمسح كل دمعة من عيونكم، واثقين بأن يداً إلهية محبة تضمنا جميعاً في نورها الأبدي. آمين.
For the intentions entrusted to Ben on our prayer wall:
بأمر مخلصنا وتشكيلنا بالتعليم الإلهي، نجسر على القول:
أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك، كما في السماء كذلك على الأرض. أعطنا خبزنا كفاف يومنا، واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، كما نحن نغفر لمن أخطأ وأساء إلينا، ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير. آمين.
ليبارككم الرب ويحرسكم، وليوجه وجوه إليكم ويمنحكم سلامه الدائم اليوم وإلى الأبد. آمين.
✝ ليبارِكْكُمُ اللهُ القَدير، الآبُ والابْنُ والرّوحُ القُدُس. آمين.