باسم الآب والابن والروح القدس. نلتقي اليوم في حضرة الرب، واثقين أن نور إيمانه يضيء عتمة أيامنا، فليكن سلامه معكم جميعاً.
يا رب، ارحم. يا رب، ارحم. يا رب، ارحم.
تأملوا معي في تلك اللحظة التي نقف فيها أمام نافذة البيت في يومٍ خريفي، نراقب فيها حركة الغيوم أو انسياب الماء في جدولٍ صغير، ونشعر فجأة بمدى سرعة مرور الأيام. في قراءة اليوم من سفر الجامعة، يضعنا الحكيم أمام صورة قد تبدو للوهلة الأولى قاسية: 'لا شيء جديد تحت الشمس'. إنها صورة الرياح التي تدور، والأنهار التي تصب في البحر ولا تملؤه. قد يبدو هذا الكلام محبطاً في لحظات حزننا، كأن حياتنا، بكل ما فيها من حب، وتعب، وأحلام، ليست سوى قطرة في محيطٍ لا يكترث. لكن، دعونا نتأمل بعمق: هل حقاً لا شيء جديد؟
نحن هنا اليوم، يا آلان، يا تاو، يا رايان، بعد ثلاثة أشهر من رحيل بنيامين. إن البيت الذي كان يضج بذكاء بنيامين، بفضوله الذي لا يهدأ، وبضحكاته وهو يتحدث عن 'كون تشيم إيرلاينز'، يبدو اليوم وكأنه يختبر هذا المعنى الذي ذكره سفر الجامعة. لكن، صدقوني، هناك شيء جديد تماماً تحت الشمس: إنه الحب الذي تركه بنيامين، ذلك الحب الذي لا يزال ينبض في كل ركن من أركان حياتكم. بنيامين لم يكن مجرد فتىً ذكياً، بل كان روحاً تدرك بالفطرة أن الحياة ليست مجرد 'عمل' أو 'سعي'، بل هي 'علاقة'. أتذكرون ذلك الفتى الذي كان يرافق والده في رصد الطائرات، أو ذلك الابن الذي كان يغمر أخاه رايان بحضنٍ دافئ على الرصيف؟ هؤلاء هم البشر الذين يغيرون وجه الأرض، حتى لو لم يدرك العالم ذلك.
إن سفر الجامعة يخبرنا أن 'العين لا تشبع من النظر، والأذن لا تمتلئ من السمع'. هذا هو جوهر ألمنا؛ نحن نريد أن نرى بنيامين، نريد أن نسمع صوته، نريد أن نرى ابتسامته التي كانت تضيء الغرفة. لكن هذا العطش هو في الحقيقة دليل على خلودنا؛ نحن لا نشبع لأننا خُلقنا للأبدية، لا لهذه الدنيا الزائلة. بنيامين الآن يرى ما لا نستطيع رؤيته، ويسمع ما لا نستطيع سماعه. هو في حضرة مَن هو 'الجديد' الوحيد في الكون، مَن يجدد وجه الأرض.
يا أحبائي، أعلم أن هذا الصمت قد يترك في قلوبكم صوتاً يهمس في هدوء الليل: 'لماذا؟ هل كان هناك شيء فاتنا؟ هل كان بإمكاننا أن نغير المسار؟'. أريد أن أرفع هذا الحجر الثقيل عن صدوركم اليوم بكلمةٍ واضحة كالنور: لا لوم عليكم. الله لا يرسل المرض كعقاب، ولا يكتب الأقدار ليختبر قسوة قلوبنا. بنيامين لم يرحل بسبب غفلة، ولم يكن تعبه نتيجة أي تقصير منكم. لقد كنتم له المرفأ، والحضن، والدفء الذي لم ينقطع قط. الله لا يتهمكم، بل هو الذي يضمكم في ألمه اليوم. لا تحملوا وزر ما لا يد لكم فيه، فالله لا يحاسب المحبين على أقدار لا يملكون مفاتيحها. لقد كان بنيامين هبة، وقد عاد إلى واهب الحياة.
في إنجيل اليوم، نسمع عن هيرودس الذي كان 'يضطرب' لأنه سمع عن يسوع. كان يريد أن يرى يسوع، لكنه كان يراه من خلال عدسة الخوف، من خلال عدسة السلطة والشك. أما أنتم، فلا تنظروا إلى بنيامين من خلال عدسة 'الفقد' فقط، بل انظروا إليه من خلال عدسة 'الرجاء'. بنيامين ليس 'مفقوداً'، هو 'موجود' في قلب الله. إن حلم الأب الذي رأى فيه بنيامين قوياً وسليماً ليس مجرد خيال، بل هو لمحة من الحقيقة الأبدية التي ينتظرنا فيها الله. بنيامين لا يزال يرافقكم، يهمس في قلب رايان بأن يكمل المسيرة، ويشد على أيدي والديه في كل لحظة ضعف.
تأملوا في ذلك الفتى الذي كان مستعداً أن يهب كل مدخراته لعمه المريض. لم يكسر الحصالة، ولم يفرغها، بل 'عرض'. هذا العرض، هذا النبل الصغير، هو الثمرة التي تظهر نوع الشجرة. إنها ثمرة الحب الذي لا يعرف الحساب. هذا الحب لا يزال يتدفق، تماماً كما يتدفق الماء من البئر الذي يحمل اسمه في فيتنام. كل قطرة تروي عطشاً هناك هي صدى لروح بنيامين التي ترفض أن تنتهي. بنيامين، ذلك الفتى الذي كان يحلم بـ 'كون تشيم إيرلاينز'، يطير الآن في فضاءات السماء، حراً من أي قيد، حراً من أي ألم.
يا رايان، يا أخي بنيامين، أنت تحمل إرث أخيك في قلبك. لا تخف من أن تعيش، أن تحلم، أن تضحك. بنيامين لا يزال معك في كل مرة تنظر فيها إلى السماء. هو مشجعك الأول من السماء، يهمس لك بأن تكمل المسيرة بقوة ورجاء. تذكر تلك الأوقات التي كنتما تحلمان فيها بمستقبلكما، وتلك الضحكات على الألعاب. هو لا يزال رفيقك، وإن كان بطريقة لا تدركها الحواس، بل يدركها القلب. إن الحب الذي جمعكما هو خيط لا يمكن لأي قوة في الأرض أو في الموت أن تقطعه.
لا تحاولوا أن تسرعوا في تضميد الجراح. اتركوا دموعكم تسيل إن أردتم، فالله نفسه بكى عند قبر صديقه لعازر. هو يعرف لوعة الفقد، هو يعرف ما يعنيه أن يغيب الحبيب. هو يقف معكم، يمسح دموعكم، ويقول لكم: 'إيمانكم قد خلصكم، اذهبوا بسلام'. الحياة ليست 'باطل الأباطيل' كما قال الجامعة، بل هي 'مقدس المقدسات' عندما نعيشها في حب الله. بنيامين عاش حياته بكل نبض، بكل ذكاء، وبكل وداعة. هو الآن يعيشها في كمالها.
عندما تخرجون من هنا اليوم، خذوا معكم شيئاً صغيراً: في هذا الأسبوع، عندما تشعرون بثقل الفقد، توقفوا لحظة، تنفسوا بعمق، وتخيلوا بنيامين بابتسامته الواثقة وهو يهمس لكم: 'أنا بخير يا باء، أنا في النور'. افعلوا شيئاً بسيطاً باسمه، كلمة طيبة لشخص غريب، مساعدة صغيرة، ابتسامة لمن يحتاجها. اجعلوا حبه يتدفق في العالم. كونوا أقوياء، ليس بقوتكم، بل بقوة المسيح الذي وعدنا بأنه لن يتركنا يتامى. إن الله الذي اختار بنيامين هو نفسه الذي يختاركم اليوم لتكونوا شهوداً لرجائه. ليحفظكم الله، وليمسح دموعكم، وليملأ قلوبكم بسلامٍ يفوق كل وصف، حتى نلتقي جميعاً في حضن الآب السماوي، حيث لا وداع بعد اليوم. إن بنيامين، بذكائه الفذ وقلبه الوديع، يعلمنا اليوم درساً أخيراً: أن الحياة لا تقاس بطولها، بل بعمق الحب الذي نتركه خلفنا. فلنكمل المسيرة، واثقين بأننا لسنا وحدنا، وبأن الحب الذي بدأ هنا، يكتمل هناك، في حضن الآب الذي لا يغيب عنه أحد.
For the intentions entrusted to Ben on our prayer wall:
بأمر مخلصنا وتشكيلنا بالتعليم الإلهي، نجسر على القول:
أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك، كما في السماء كذلك على الأرض. أعطنا خبزنا كفاف يومنا، واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، كما نحن نغفر لمن أخطأ وأساء إلينا، ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير. آمين.
ليباركنا الله الآب والابن والروح القدس، ويمنحنا سلامه الذي يفوق كل وصف. اذهبوا بسلام المسيح.
✝ ليبارِكْكُمُ اللهُ القَدير، الآبُ والابْنُ والرّوحُ القُدُس. آمين.