باسم الآب والابن والروح القدس. أهلاً بكم جميعاً في هذا اللقاء المبارك حيث نجتمع لنلتمس سلام الله ونور كلمته وسط صمت قلوبنا.
يا رب، يا من ترحم ضعفنا وتسمع أنين القلوب، إرحمنا. أيها المسيح، يا نوراً ينير الظلمات ويهدئ العواصف، إرحمنا. يا رب، يا رجاء من لا رجاء له ومعزي الحزانى، إرحمنا.
تخيلوا معنا سماء الصباح الهادئة، حيث تنبئ الرياح القادمة من الجنوب بحرارة النهار، وتلك الغيوم الصغيرة المرتفعة في الغرب التي يعرف المارّة كيف يقرأونها قبل أن يسقط المطر. نحن نملك عيوناً دقيقة جداً لكل ما يخص الطقس والتراب والأرض وتفاصيل العيش اليومي. ندرك متى تشتد الرياح، ونحسب الحسابات بدقة لكي لا يباغتنا العاصف أو المطر. لكن يسوع يقف اليوم في إنجيله ليطرح علينا سؤالاً يتجاوز كل هذه الأرصاد الجوية البسيطة: لماذا لا نعرف كيف نقرأ زمننا الحاضر؟ لماذا نمر على الساعات واللحظات، وعلى الأيام التي تتقاطع فيها أقدامنا مع أقدام من نحب، كأننا عابرون عميان لا ندرك عمق ما يحدث تحت الشمس؟
تعالوا نتأمل في تلك اللحظات الهادئة التي تشبه جلوس طفل ذكي وبسيط أمام شاشته، يكتب سطوراً برمجية متداخلة، أو يبني بعقله الواسع أفكاراً لا تليق بسنواته الصغيرة بل بسن من هم أكبر منه بكثير. هل تذكرون كيف كان بنيامين، أو بن كما كان يناديه من يحبه، ينظر إلى العالم؟ لم يكن طفلاً عابراً، بل كان يحمل ذلك الفضول العجيب الذي يرى في كل شيء هندسة وسؤالاً وإمكانية. كان ينظر إلى الطائرات الكبيرة الممتدة على المدى، تلك التي يحلم بتحليقها، وكأن روحه كانت تتمرن مبكراً على عبور الحدود الضيقة نحو فضاء أوسع. وعندما نتذكر ابتساماته البريئة، وتلك الأحاديث الخفيفة المفعمة بالحياة، ندرك أن الله لم يكن يخطط لأيام بن بالعدد فحسب، بل بالعمق. لقد عاش بن حياة ملئت بالحب والضحك والرحلات، وترك في قلوب عائلته طقوساً صغيرة لا تُنسى؛ كأن يقف والده يتذكر تلك الأيام التي كان فيها الفتى يشارك بحرارة في تفاصيل الحياة اليومية، أو أن يسمعوا صدى صوته الخافت الحنون يتردد في زوايا البيت.
لكننا نعرف، بل ونشعر جيداً، أن هناك أوقاتاً ينطفئ فيها صوت المطر الخفيف ليحل محله ثقل الصمت الطويل. أربعة أشهر مرت منذ أن عبر بنيامين إلى الضفة الأخرى، منذ ذلك الثالث عشر من يونيو الذي ترك في البيت فراغاً لا يملؤه سوى حضور الله الخفي. أيتها الأم الفاضلة تاو، أيها الأب الحبيب آلان، ويا رايان يا رفيق الدرب وأخا الروح، أعلم تماماً كم هو ثقيل هذا الغياب. أعلم أن البيت الذي كان يضج بحيوية بن وبأفكاره وبتلك الضحكات البريئة التي كانت تملأ المكان دفئاً، يمر أحياناً بليالٍ تبدو أطول من أن تحتمل. وفي هدوء الليل، حين تنطفئ الأنوار وتتوقف الحركة، يتسلل إلى أعماق قلوبكم ذلك السؤال الصامت الذي يتعب الروح: لماذا؟ هل كان بإمكاننا أن نغير شيئاً؟ هل فاتنا تفصيل صغير؟
اليوم، أريد أن أرفع هذا الحجر الثقيل عن صدوركم بكلمة حق واضحة نقية كصوت السماء: لا لوم عليكم. الله لا يرسل المرض كعقاب، ولا يكتب الأقدار ليختبر قسوة القلوب. بنيامين لم يرحل بسبب غفلة، ولم يكن تعبه ناتجاً عن أي تقصير منكم. كنتم له المرفأ والحضن والدفء الذي لم ينقطع قط، وكنتم له الأمان الذي استند إليه طوال أيامه القصيرة العميقة. الله لا يتهمكم، بل هو الذي يضمكم اليوم في ألمه وحضنه؛ فبعض الآلام تأتي من خارج كل سيطرة بشرية، ولا تحملون وزر ما لا يد لكم فيه. استريحوا من هذا العذاب الداخلي، ولا تتهموا أنفسكم، فالله لا يحاسب المحبين على أقدار وحدها أيدي السماء تعرف غايتها. لقد كنتم له كل شيء، وهو الآن في حضن من هو أعظم من كل شيء.
انظروا إلى رسالة بولس الرسول اليوم، وكأنها كتبت خصيصاً لتوضع على جراحكم. يكتب بولس من قيده آمراً إيانا: «أن تستهلوا السيرة بالحفاظ على وحدانية الروح برباط السلام». جسد واحد، روح واحد، رجاء واحد، رب واحد، إيمان واحد، معمودية واحدة، إله واحد وآب للجميع، الذي على الكل وبالمكتب وفي الكل. إن بن لم ينفصل عن هذه الوحدة؛ فهو ليس في عالم غريب، بل في قلب هذه الكنيسة الواحدة، في ذلك الجسد الذي يجمع الأحياء والأموات في محبة الله التي لا تفنى. عندما تقرأون رسالة بولس، تذكروا أن المسيح هو الذي يحفظ بن الآن في سلام تام، وهو الذي يمسك بأيديكم أنتم أيضاً لكي لا تسقطوا تحت ثقل الشوق.
إلى كل من يتابعنا اليوم من مكان بعيد، وإلى كل عائلة تحمل صليباً ثقيلاً في صمت، وإلى كل طفل يصارع الألم في مستشفى مظلم، وإلى الأمهات والآباء الذين يبكون بصمت في بيوتهم: اعلموا أنكم لستم وحدكم. الله يرى دموعكم ويحصي تنهداتكم. إن صليبكم ليس إهمالاً من الله، بل هو دعوة لأن تقتربوا أكثر من قلبه الكلي الرحمة.
عندما تغادرون هذا المكان اليوم، احملوا معكم شيئاً صغيراً وعملياً تستطيعون حمله في جيوب قلوبكم: لا تثقلوا أيامكم باللوم، بل اتركوها تسقط عند قدمي الصليب. افعلوا شيئاً صغيراً وخفياً باسم بن، ابتسموا في وجه غريب، قولوا كلمة طيبة لمن تعب من مسيرته، وتذكروا أن الحب الحقيقي لا يموت أبداً بل يعود دائماً ليزهر من جديد.
ليحفظ الله عائلتكم، وليمسح دموعكم، وليبقى سلام المسيح يملأ بيوتكم وقلوبكم إلى الأبد. آمين.
For the intentions entrusted to Ben on our prayer wall:
بأمر مخلصنا وتشكيلنا بالتعليم الإلهي، نجسر على القول:
أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك، كما في السماء كذلك على الأرض. أعطنا خبزنا كفاف يومنا، واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، كما نحن نغفر لمن أخطأ وأساء إلينا، ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير. آمين.
بارككم الله الكلي القدرة، الآب والابن والروح القدس، وحفظكم في سلامه إلى الأبد. آمين.
✝ ليبارِكْكُمُ اللهُ القَدير، الآبُ والابْنُ والرّوحُ القُدُس. آمين.