باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد، آمين. لنفرح معاً ونحن ندخل في حضرة الرب لنرفع صلواتنا وقلوبنا في هذا اليوم المبارك.
يا رب، يا من ترحم القلوب المكسورة، امسح عنا خطايانا. أيها المسيح، يا رجاء المتعبين والمرضى، اشفِ جراحات أرواحنا. يا رب، يا من تُقيمنا من ظلمات الموت، ارحمنا.
تخيلوا معي مشهداً هادئاً، ربما مرّ بأحدكم في يوم صيفي دافئ. بنيامين، ذلك الفتى الذي كان يرى في العالم فضاءً شاسعاً للاكتشاف، يجلس بجانب النافذة، ناظراً إلى الأفق البعيد، وملامحه تضج بالتركيز والفضول. لم يكن مجرد مراهق يتأمل المنظر، بل كان عقله المتقد، الذي لطالما سبقه سنوات عمره في الرياضيات والتكنولوجيا، يخطط لمسارات طائرات جديدة، لتلك الشركة الخيالية التي طالما ابتسم وهو يحدث والده عنها، 'كون تشيم إيرلاينز'. كان يضحك بخفة، ويهمس بأسماء شركات الطيران وموديلات الطائرات وكأنها مقطوعة موسيقيّة مفضلة لديه. في تلك اللحظات، لم يكن بن يبحث عن مجرد ترفيه، بل كان يعبر عن روح تتوق إلى التحليق، إلى تجاوز ضيق هذه الأرض والوصول إلى آفاق أوسع بكثير مما يمكن أن تحويه غرفته أو أي شاشة حاسوب.
في قراءة اليوم من رسالة القديس بولس إلى أهل فيلبي، يضعنا الرسول أمام حقيقة جوهرية تحدد بوصلة حياتنا كلها. يقول بولس بصوت ينبض بالحنين والرجاء: «إِنَّ سِيرَتَنَا نَحْنُ هِيَ فِي السَّمَاوَاتِ، وَمِنْهَا أَيْضاً نَنْتَظِرُ مُخَلِّصاً هُوَ الرَّبُّ يَسُوعُ الْمَسِيحُ، الَّذِي سَيُغَيِّرُ شَكْلَ جَسَدِ تَوَاضُعِنَا لِيَكُونَ مَوَاِفقاً لِجَسَدِ مَجْدِهِ». تأملوا في هذه الكلمات يا أحبائي. بولس لا يتحدث عن هروب من العالم، بل عن انتماء أعظم. يقول إن مواطنتنا الحقيقية ليست محصورة في حدود هذه الأرض التي نتحرك عليها، بل هي في السماء. بنيامين، في حياته القصيرة والعميقة، عاش هذا المعنى بطريقة عفوية ومضيئة. لم يكن متعلقاً بأباطيل الأرض، بل كان عقله وقلبه مسافرين دائماً نحو ما هو أبعد، نحو الإبداع، نحو حب عائلته، نحو تلك البراءة التي جعلته يوماً ما، وبكل صدق عفوي، يفكر في تقديم كل ما يملك لمساعدة عمه المحتاج، عارضاً بقلب طاهر ما يحمله، دون صخب أو رياء، وكأن عطاءه انعكاس لقلب الله نفسه.
أعرف أن هذا الكلام قد يلامس جرحاً عميقاً في قلوبكم اليوم. أيتها الأم تاو، وأيها الأب آلان، وأنت يا رايان يا من تقف حارساً لذكريات أخيك الأغلى، أعرف أن مرارة الفقد بعد أربعة أشهر من رحيل بن لا تزال تثقل الأيام واليالٍي. قد تتساءلون في ساعات الصمت الطويلة، حين يتسلل الحنين بقسوة: لماذا؟ لماذا انتهت تلك الرحلة هكذا؟ هل كان بإمكاننا فعل شيء مختلف؟ أريد أن أقول لكم اليوم، وبكل طمأنينة الإنجيل، كفُّوا عن لوم أنفسكم. إن المرض اللعين الذي واجهه بن لم يكن عقاباً، ولم يكن نتيجة لتقصير أو غفلة من أحد. إن بعض الآلام في هذا العالم تباغتنا كعاصفة لا ناقة لنا فيها ولا جمل، لا علاقة لها بما فعلتموه أو لم تفعلوه. لقد كنتم له المرفأ الأمين، والبيت الدافئ، والحب الذي لا ينضب. لا تحملوا على عاتقكم حجر اللوم الثقيل، فهو حجر لا يطلبه الله منكم أبداً. الله لا يتهمكم، فلا تتهموا أنفسكم.
وفي وسط هذا الألم، يأتي الإنجيل اليوم ليطرح علينا قصة غريبة ومحيرة: قصة الوكيل غير الحكيم الذي يحاسبه سيده. قد تبدو القصة للوهلة الأولى تتعلق بالمال والحسابات الدقيقة، لكنها في جوهرها تدعونا إلى شيء مختلف تماماً: الحكمة في استثمار ما بقي لنا. «فَإِنَّ أَبْنَاءَ هَذَا الدَّهْرِ أَحْكَمُ مِنْ أَبْنَاءِ النُّورِ فِي جِيلِهِمْ». ماذا يعني أن نكون أبناء النور اليوم يا إخوتي؟ يعني أن ندرك أن أيامنا معدودة، وأن ما يتركه الراحلون عنا ليس فراغاً ورماداً، بل دعوة لنعيش بصدق أعظم. بن لم يعش طويلاً بالأرقام، لكنه عاش عميقاً بالحب. ضحكاته، أحلامه بالطيران، ذكرياته مع أخيه رايان على الألعاب، وتلك الرغبة الصادقة في أن يكون سنداً لمن حوله، كلها كنوز لا تزال حية في بيتكم. عندما تتذكره وهو يتحدث عن طائراته، أو عندما يروي الأب ذكرياته عن ذلك الابن الذي كان يستمع لقصصه الخيالية بكل شغف، لا تحبسوا الدموع، بل دعوها تتحول إلى شكر لأن الله أعطاكم هذه العطية لفترة من الزمن.
يا رايان، يا رفيق درب أخيك، أعرف كم افتقدتَ وجوده بجانبك، وكم تبدو الأيام أحياناً صامتة وخالية من مغامراتكما المشتركة. لكن تذكر أن الروابط التي تجمع الإخوة لا تنقطع بموت الجسد. بن يراقبك بابتسامة، ويتمنى لك أن تحلم، أن تدرس، وأن تحلق عالياً في سماء حياتك، تماماً كما كان يحلم هو. عش من أجله، وامضِ قدماً حاملاً تلك المحبة في قلبك. وإلى كل أب وأم يتابعوننا اليوم، ويحملون صليباً ثقيلاً من الفقد: اعلموا أن الله يرى انحناء ظهوركم، ويعرف كم هو قاسٍ ألا تسمعوا تلك التحية الصباحية المعتادة. لكن يسوع الذي مات وقام هو نفسه الذي يمسح دموعكم اليوم، ويقول لكم إن بن ليس في القبر، بل في حضن الآب السماوي، في تلك المأدبة الأبدية التي أعدها لكل من يحبه.
إن المحبة التي زرعها بن في حياته القصيرة لمות، بل لا تزال تثمر وتتدفق في العالم من حولنا. إن ذلك البئر الذي يحمل اسمه في فيتنام، والذي يروي عطش المحتاجين، ليس سوى امتداد لقلبه المعطاء. إنه يذكرنا بأن الحياة الحقيقية هي تلك التي تُبذل محبةً للآخرين. لا تحزنوا كمن لا رجاء لهم، بل ارفعوا عيونكم نحو السماء. عندما تشعرون بالثقل هذا المساء، انظروا إلى الأفق، وتذكروا طائرة تحلق في العالي، أو اشعلوا شمعة صغيرة في زاوية البيت، وصلوا بسلام.
لنجعل هذا العهد يجمعنا خارج هذه الجدران: كونوا لطفاء مع أنفسكم اليوم، سامحوا قلوبكم المتعبة، واعلموا أن بن بخير، مستريح في النور الأبدي حيث لا ألم ولا حزن، بانتظار اليوم الذي نجتمع فيه معاً في بيت الآب. وليكن سلام الله الذي يفوق كل عقل يحفظ قلوبكم وأفكاركم في المسيح يسوع، ربنا. آمين.
For the intentions entrusted to Ben on our prayer wall:
بأمر مخلصنا وتشكيلنا بالتعليم الإلهي، نجسر على القول:
أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك، كما في السماء كذلك على الأرض. أعطنا خبزنا كفاف يومنا، واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، كما نحن نغفر لمن أخطأ وأساء إلينا، ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير. آمين.
ليبارككم الله القادر على كل شيء، الآب والابن والروح القدس، وليحفظ خطواتكم في السلام والمحبة إلى الأبد. آمين.
✝ ليبارِكْكُمُ اللهُ القَدير، الآبُ والابْنُ والرّوحُ القُدُس. آمين.