باسم الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد. نلتقي اليوم في رحاب الكلمة، لنستمد من نور القديسة تريزا الأفيليّة ومن وعود الله عزاءً لقلوبنا.
يا رب، ارحم ضعفنا وقلة حيلتنا. يا رب، ارحم حزننا الذي يثقل كاهلنا. يا رب، ارحم نفوسنا التائهة في دروب الفقد.
تخيلوا معي مشهداً هادئاً، ربما في إحدى تلك الأمسيات التي كان بنيامين يجلس فيها إلى جانب والده، يراقبان معاً حركة الطائرات وهي تشق سكون السماء، أو يغوصان في تفاصيل برمجة تطبيق جديد على حاسوبه. لم يكن بنيامين مجرد فتى ذكي يمتلك عقلاً يسبق سنواته، بل كان يحمل في عينيه بريقاً من الدهشة، دهشة طفل يرى في العالم هندسة إلهية بديعة. في تلك اللحظات، لم يكن هناك صخب، بل كان هناك حضورٌ خالص، حضورُ ابنٍ يثق بوالده، وابنٍ يرى في والده بوصلةً للحياة. اليوم، يضع بولس الرسول أمامنا في رسالته إلى أهل أفسس حقيقةً مذهلة: 'اختارنا فيه قبل إنشاء العالم، لنكون قديسين وبلا عيب أمامه في المحبة'.
تأملوا في هذه الكلمة: 'اختارنا'. بنيامين، ذلك الفتى الذي كان يحب الطيران، كان يدرك بالفطرة أن الرحلة لا تكتمل إلا بوجود وجهة. لقد كانت حياته، رغم قصرها، رحلةً نحو هذه الوجهة الإلهية. كان بنيامين، بذكائه الوقاد وعقله الذي يغوص في أعماق البرمجة والأنظمة السحابية، يدرك بالفطرة أن الأشياء تعمل بشكل صحيح فقط عندما يكون 'الداخل' متناغماً مع 'الخارج'. لقد كان يرى في عالم الطيران، الذي أحبه لدرجة اختراع اسم لشركته الخيالية 'كون تشيم إيرلاينز'، أن الجمال لا يكمن فقط في هيكل الطائرة اللامع، بل في الدقة الخفية التي تجعلها تحلق بأمان. هذا التناغم بين الداخل والخارج هو ما نراه اليوم في حياة القديسة تريزا الأفيليّة، التي علمتنا أن الصلاة ليست مجرد كلمات، بل هي 'علاقة صداقة حميمة' مع من نعلم أنه يحبنا.
يا آلان، يا تاو، يا رايان، أعلم أن هذا 'الباطن' في قلوبكم يحمل اليوم ثقلاً لا يقدر عليه بشر. إن الفراغ الذي تركه بنيامين، ذلك الفتى الذي كان يفيض حباً وذكاءً، يمتد في أرجاء البيت كصمتٍ ثقيل. وأنا أعلم، في تلك الساعات التي يغلب فيها الحنين، أن السؤال الذي يتردد في أعماقكم ليس سؤالاً عن 'الخارج'، بل هو صرخة من 'الباطن': لماذا؟ لماذا هذا الطريق؟ لماذا غاب بنيامين عنا؟
دعونا نقف هنا، أمام هذا الألم، بصدق تام. لا أريد أن أقدم لكم عزاءً مزيفاً أو كلمات فارغة. إن ألم الفقد هو جرح حقيقي، جرحٌ لا يندمل بمجرد الكلام. وكثير من الآباء والأمهات الذين يمرون بهذه التجربة القاسية يحملون حجراً ثقيلاً من 'اللوم الذاتي'. يتساءلون: هل كان بإمكاننا فعل المزيد؟ هل فاتنا شيء؟ هل كان هناك تفصيل صغير لم ننتبه له؟ أرفع عن قلوبكم هذا الحجر الثقيل اليوم بكلمة حق قاطعة: لا لوم عليكم. الله لا يرسل المرض كعقاب، ولا يكتب الأقدار ليختبر قسوة القلوب. بنيامين لم يرحل بسبب غفلة، ولم يكن تعبه ناتجاً عن أي تقصير منكم. كنتم له المرفأ والحضن والدفء الذي لم ينقطع قط. الله لا يتهمكم، بل هو الذي يضمكم في ألمه اليوم؛ فبعض الآلام تأتي خارج كل سيطرة بشرية، ولا تحملون وزر ما لا يد لكم فيه. استريحوا من هذا العذاب الداخلي، ولا تتهموا أنفسكم، فالله لا يحاسب المحبين على أقدار وحدها أيدي السماء تعرف غايتها. لقد كنتم له كل شيء، وهو الآن في حضن من هو أعظم من كل شيء.
في إنجيل اليوم، يوجه يسوع تحذيراً شديداً لعلماء الناموس: 'ويل لكم أيها العلماء، فقد أخذتم مفتاح المعرفة'. إنهم انشغلوا ببناء 'المعالم' وتكريم الأنبياء الموتى، بينما أغلقوا قلوبهم عن الحضور الحي لله في وسطهم. كم نشبههم أحياناً حين ننشغل بالبحث عن 'أسباب' أو 'تفسيرات' للموت، بينما يغيب عنا الحضور الحي لمن نحب في قلب الله؟ بنيامين لم يكن يغلق الأبواب، بل كان يفتحها. تذكروا تلك اللحظة التي عرض فيها ببراءة طفولية أن يهب كل ما في حصالته لعمه المريض، حين كان يصارع المرض. لم يكسر الحصالة، ولم يفرغها، بل 'عرض'. هذا العرض الصغير، الذي كان يعبر عن قلبٍ يفيض بالتعاطف، هو الجوهر الذي يطلبه الله منا. ليس ما يظهر للناس هو المهم، بل ما يكمن في الباطن. كان بنيامين يمتلك هذا الباطن النقي، هذا القلب الذي كان يرى في الآخرين أنفسهم. واليوم، هذا القلب هو الذي يجعله حياً في حضن الله.
يسوع يقول: 'أنا سأرسل لهم أنبياء ورسلاً'. بنيامين كان يحمل رسالة محبة. هو لم يترك لنا فقط ذكريات، بل ترك لنا 'بئر ماء' في فيتنام، 'بئر المحبة' الذي يروي العطاش ويحمل اسمه، ليظل عطاؤه حياً يتدفق. إن هذا العطاء ليس مجرد عمل خيري، بل هو استمرار لروح بنيامين التي كانت تعطي دون أن تطلب مقابلاً. إنها المحبة التي لا تعرف الموت، المحبة التي تتجاوز القبور.
يا رايان، يا أخي بنيامين الحبيب، أنت تحمل في داخلك ذكريات لا تُقدر بثمن. لا تخف من أن تبتسم، ومن أن تواصل شغفك، ومن أن تعيش حياتك بكل قوتها. أخوك يراقبك من النور، وهو لا يريدك أن تعيش في ظلال الحزن، بل في نور المحبة التي جمعتكما. تذكر دائماً تلك اللحظات التي كنتما تتشاركان فيها الأحلام، واعلم أن هذا الرابط هو أقوى من الموت. أنت لست وحدك في هذا الطريق، فبنيامين حاضر في كل ضحكة، وفي كل ذكرياتكما المشتركة.
عندما تغادرون هذا المكان اليوم، احملوا معكم هذا الشيء الصغير: كونوا رحماء مع أنفسكم كما كان بنيامين رحيماً مع الآخرين. لا تحملوا ثقل اللوم، بل احملوا خفة الرجاء. افعلوا شيئاً واحداً صغيراً وخفياً باسمه، كما فعلتم في بئر الماء، ذلك البئر الذي يروي العطاش ويحمل اسم بنيامين 'الدال على المحبة التي لا تنضب'. دعوا حب بنيامين يستمر حياً نابضاً من خلالكم. وليحفظكم الله بسلامه الذي يفوق كل وصف، وليمسح دموعكم، حتى يجمعنا جميعاً يوماً في حضنه الأبدي حيث لا وداع ولا ألم بعد اليوم. كونوا أقوياء، فأنتم لستم وحدكم، والله الذي اختار بنيامين هو نفسه الذي يمسك بأيديكم اليوم. آمين.
For the intentions entrusted to Ben on our prayer wall:
بأمر مخلصنا وتشكيلنا بالتعليم الإلهي، نجسر على القول:
أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك، كما في السماء كذلك على الأرض. أعطنا خبزنا كفاف يومنا، واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، كما نحن نغفر لمن أخطأ وأساء إلينا، ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير. آمين.
ليباركنا الرب ويحفظنا في محبته، وليمنحنا السلام الذي وعد به. آمين.
✝ ليبارِكْكُمُ اللهُ القَدير، الآبُ والابْنُ والرّوحُ القُدُس. آمين.