باسم الآب والابن والروح القدس، إلهنا الواحد. نلتقي اليوم في حضرة الرب، حاملين في قلوبنا كل ما نمر به، واثقين أن نوره يغمرنا في كل تفاصيل حياتنا.
يا رب، ارحم. يا رب، ارحم. يا رب، ارحم.
في بعض الأحيان، نجد أنفسنا نقف أمام أشياء تبدو بسيطة للغاية، لكنها تحمل في طياتها ثقلاً كبيراً من المعنى. فكروا في تلك اللحظة التي يرفع فيها طفلٌ عينيه نحو السماء ليراقب طائرةً عابرة، ليس فقط ليرى آلةً من معدن، بل ليرى حلماً، ليرى إمكانيات، ليرى عالماً يمتد أبعد من حدود الغرفة أو المنزل. بنيامين، ذلك الفتى الذي كان يرى في عالم الطيران وبرمجته لا مجرد هواية بل لغةً للحياة، كان يملك تلك القدرة على رؤية ما وراء الظاهر. كان يرى في تفاصيل محركات الطائرات ونظمها دقةً تشبه إلى حد كبير دقة الإيمان الذي يربطنا بالله. كان يرى في كل شيء فرصة للتعلم، فرصة للدهشة، وفرصة ليقول لأبيه، بابتسامته الصافية، إن العالم مكان يستحق الاستكشاف.
اليوم، في إنجيل لوقا، نرى امرأةً في وسط الجموع، تصرخ بكلمات تنبع من قلب أمٍّ محبة: «طوبى للبطن الذي حملك، وللثديين اللذين أرضعاك». إنها تنظر إلى يسوع، فترى فيه ثمرة محبة، ثمرة حياة، وتفكر في أمه التي حملت هذا السر العظيم. لكن يسوع، في رده، لا ينفي قيمة هذه المحبة، بل يوسعها إلى أفق لا نهائي: «بل طوبى للذين يسمعون كلمة الله ويحفظونها». إنه يخبرنا أن الانتماء الحقيقي، والبركة الحقيقية، لا تقتصر على روابط الدم فحسب، بل تمتد لتشمل كل من يفتح قلبه لكلمة الله ويجعلها مسكناً له.
بولس الرسول في رسالته إلى أهل غلاطية اليوم يخبرنا حقيقة قد تكون صعبة الفهم أحياناً: «فإنكم جميعاً أبناء الله بالإيمان بالمسيح يسوع». إنه يتحدث عن زوال الحواجز، عن كوننا جميعاً «لابسي المسيح». هذا يعني أننا في المسيح، لا نعود غرباء، ولا نعود محصورين في حدود أجسادنا أو ظروفنا. بنيامين، بقلبه الذي كان يتسع للجميع، كان يعيش هذا النوع من الانتماء. أتذكرون كيف كان يفكر في عمه ويود أن يمنح كل ما لديه، كل ما في حصالته، ليخفف عنه؟ لم يكن يحسب حساباً لما يملكه، بل كان يحسب حساباً لمن يحب. هذا هو «لبس المسيح» في أبهى صوره؛ أن نرى ألم الآخر كأنه ألمنا، وأن تكون محبتنا عطاءً لا ينتظر مقابلاً.
يا آلان، يا تاو، يا رايان، أعلم أن الفراغ الذي يتركه بنيامين ليس مجرد غياب لصوت أو ضحكة، بل هو غياب لحضور كان يملأ البيت دفئاً وذكاءً. قد تسألون في لحظات الضعف: لماذا؟ لماذا هذا الطريق؟ لماذا هذا الألم؟ إنني أقف معكم اليوم لأقول لكم، وبكل صدق، إن الله لا يرسل المرض ليعاقب، ولا يكتب الأقدار ليعذب. بنيامين لم يرحل بسبب غفلة، ولم يكن تعبه ناتجاً عن أي تقصير منكم. كنتم له المرفأ والحضن والدفء الذي لم ينقطع قط. الله لا يتهمكم، بل هو الذي يضمكم في ألمه اليوم؛ فبعض الآلام تأتي خارج كل سيطرة بشرية، ولا تحملون وزر ما لا يد لكم فيه. استريحوا من هذا العذاب الداخلي، ولا تتهموا أنفسكم، فالله لا يحاسب المحبين على أقدار وحدها أيدي السماء تعرف غايتها. لقد كنتم له كل شيء، وهو الآن في حضن من هو أعظم من كل شيء.
تأملوا في صورة «كون تشيم إيرلاينز»، الشركة التي كان بنيامين يتخيلها ويضحك حين يتحدث عنها. تلك الطائرات التي كانت تحلق في خياله لم تكن مجرد خيال، بل كانت رمزاً لروحه التي كانت تتوق للتحليق، للوصول إلى آفاق أبعد. واليوم، هو يحلق فعلاً، ليس في سماء هذا العالم المحدودة، بل في سماء الله اللامتناهية. هو الذي كان يراقب الطائرات مع والده، يراقبكم الآن من نور الله. لا تظنوا أنه بعيد، فالمسيح الذي «لبسه» بنيامين هو نفسه الذي يجمعنا به في كل مرة نرفع فيها قلوبنا في الصلاة.
يا رايان، أنت تحمل في قلبك ذكريات لا تُقدر بثمن. تذكر تلك الأيام التي كنتما تقفان فيها معاً، كأخوين في رحلة اكتشاف. أخوك لا يزال يرافقك، ليس كذكرى باهتة، بل كقوة تدفعك لتكون أنت أيضاً محباً، ذكياً، ومبدعاً كما كان. لا تخف من أن تبتسم، ولا تخف من أن تستمر في حب الأشياء التي كنتما تحبانها معاً. ففي كل مرة تبتسم فيها، وفي كل مرة تذكر فيها بنيامين، أنت تجعل حبه حياً في هذا العالم.
إن الحياة في المسيح تعني أننا لا نعيش وحدنا. نحن جزء من عائلة كبرى، عائلة القديسين والمؤمنين. بنيامين اليوم هو جزء من هذه العائلة، وهو يصلي من أجلكم، من أجل آلان وتاو، ومن أجل رايان. هو يطلب منكم أن تعيشوا، أن تحبوا، وأن تثقوا. إن «كلمة الله» التي دعانا يسوع لنحفظها هي كلمة الرجاء: أن الموت ليس النهاية، وأن المحبة التي زرعها بنيامين في قلوبكم هي بذور أبدية.
عندما تخرجون من هذا المكان اليوم، احملوا معكم هذا الرجاء. لا تحملوا ثقل اللوم، بل احملوا خفة المحبة. افعلوا شيئاً واحداً صغيراً باسم بنيامين: ابتسموا لشخص غريب، ساعدوا محتاجاً في الخفاء، أو حتى تأملوا في جمال السماء وتذكروا أن بنيامين يراها معكم. دعوا حبه يتدفق في أفعالكم، كما يتدفق الماء من ذلك البئر الذي يحمل اسمه في فيتنام، ليروي عطاشاً لم يعرفوه قط، لكنهم سيشعرون ببركة وجوده. عيشوا اليوم، ليس لأن الحزن قد انتهى، بل لأن المحبة أقوى من الحزن. كونوا أقوياء، فأنتم لستم وحدكم، والله الذي اختار بنيامين هو نفسه الذي يمسك بأيديكم اليوم، ويعدكم بأننا جميعاً سنلتقي يوماً في ذلك المطار السماوي، حيث لا تأخير ولا وداع، بل سلام أبدي في حضن الآب. آمين.
For the intentions entrusted to Ben on our prayer wall:
بأمر مخلصنا وتشكيلنا بالتعليم الإلهي، نجسر على القول:
أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك، كما في السماء كذلك على الأرض. أعطنا خبزنا كفاف يومنا، واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، كما نحن نغفر لمن أخطأ وأساء إلينا، ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير. آمين.
ليبارككم الرب ويحرسكم، وليجعل وجهه يضيء عليكم ويمنحكم سلامه. باسم الآب والابن والروح القدس. آمين.
✝ ليبارِكْكُمُ اللهُ القَدير، الآبُ والابْنُ والرّوحُ القُدُس. آمين.