باسم الآب والابن والروح القدس. نلتقي اليوم في حضور الرب المحيي، حاملين قلوبنا المكسورة ولكن المرجوة على رجاء القيامة.
يا رب، يا من حملت أوجاعنا، ارحمنا. يا مسيح، يا من مسحت دموع الحزانى، ارحمنا. يا رب، يا رجاء من ليس له رجاء، ارحمنا.
قفوا معي لبرهة عند تلك الصورة التي لا تُنسى: امرأة تقف بصمت تحت خشبة الصليب. لا توجد خطب عصماء، ولا تبريرات ذكية، ولا كلمات فلسفية تفسر سبب الألم. هناك فقط حضور. هناك أم تنظر إلى ابنها المعلق، وفي قلبها يتحقق ذلك السيف النبوي الذي تنبأ به سمعان الشيخ منذ سنوات طويلة. نجد أنفسنا اليوم، في هذا التذكار المؤلم لعذراء الأوجاع، أمام سرّ الصمت والوجع الذي لا يختزل في كلمات.
منذ نحو ثلاثة أشهر، يا آلان ويا تاو ويا رايان، صار هذا البيت يرتدي صمتاً يشبه صمت العذراء تحت الصليب. تعلمون جيداً ما تعنيه تلك النظرات المتبادلة التي لا تحتاج إلى كلام. تعلمون كيف أن الفقد ليس حدثاً يمر، بل هو ظل يלוح في الزوايا، وكرسي فارغ على مائدة الغداء، وصدى لاسم لا يزال يتردد في خفايا الذاكرة. هل سألتم أنفسكم في الساعات الأولى من الفجر، حين يعجز النوم عن احتضان جفونيكم: 'لماذا؟' هل تسلل ذلك الصوت الخفي ليوحي لكم بأن هناك شيئاً فاتكم، أو أن يقظة ما كانت لتغير المجرى؟ دعوني أقول لكم بوضوح يشبه نقاء الصباح: لا لوم عليكم. الله لا يوزع الأوجاع، ولا يرسل المرض كعقاب، ولا يكتب الأقدار ليختبر قسوة قلوبكم. بنيامين لم يرحل بسبب غفلة، ولم يكن مرضُه نتيجة أي تقصير منكم. لقد كنتم له المرفأ والحضن والدفء الذي لم ينقطع قط. ارفعوا هذا الحجر الثقيل عن صدوركم؛ فالله لا يتهمكم، بل يضمكم في ألمه تماماً كما ضم ابنه الوحيد تحت الصليب.
تأملوا في تلك الروح العذبة التي تركها بيننا بنيامين. لم يكن مجرد عقل فذ يداعب أسرار الرياضيات والبرمجة، ولا ذلك الصبي الذي يبتسم ببراعة وهو يمسك بجهاز تحكم أو يحلم بـ «كون تشيم إيرلاينز» بصوته الخافت المليء بالضحكات البريئة؛ بل كان قلباً ينبض حباً نقياً. أتذكرون تلك اللحظة النبيلة حين أخبركم بكل براءة أنه يريد أن يهب كل مدخراته الحصالية لعمه المريض؟ لم يكسر الحصالة، ولم يفرغها، بل 'عرض'. هذا العرض الصادق، هذا الاستعداد العفوي لتقديم كل ما يملك لمن تحب، يخبرنا من كان بنيامين حقاً. إنه انعكاس لذاك الحب الإلهي الذي لا يبقي شيئاً لنفسه. وكما يتدفق الماء العذب من البئر الذي يحمل اسمه في فيتنام ليروي عطش المحتاجين، فإن حبه يرفض أن ينطفئ، بل يتدفق في تفاصيل حياتكم اليومية.
يحدثنا بولس الرسول في القراءة الأولى عن الكنيسة كجسد واحد له أعضاء كثيرة. يقول إننا جميعاً اعتمدنا في روح واحد لنكون جسداً للمسيح، حيث لا يمكن لعضو أن يقول لآخر 'لا حاجة لي بك'. بنيامين لم يخرج من هذا الجسد بموته. هو ليس بعيداً في غياهب الفراغ، بل هو حيّ في شركة القديسين، هناك في مأدبة السماء حيث التقى بروح مشابهة لروحه، كالشاب القديس كارلو أكتيس، يرفعان معاً صلواتهما من أجلكم. يا رايان، يا أخي بنيامين وخليله، لا تخف من حمل إرثه. تذكر تلك الأوقات الجميلة، وتلك الضحكات على الألعاب وفي الرحلات. عندما تنظر إلى السماء وتسمع طائرة تحلق، تذكر أن أخاك يبتسم لك من النور، وأنه يشجعك لتكمل المسيرة بقوة ورجاء.
لا تحاولوا أن تسرعوا في تضميد الجراح أو التظاهر بأن كل شيء على ما يرام. العذراء نفسها لم تتجاوز ألمها بكلمات زائفة، بل وقفت بصمت وثبات حتى آخر قطرة دم. اتركوا دموعكم تسيل إن أردت، لكن اسبحوا في تلك اللحظات نحو وجه المسيح الذي يقترب منكم في عتمة الليل. في كل مرة يزوركم الحพัก أو يباغتكم الحنين، تخيلوا بنيامين بابتسامته الدافئة وهو يقول لأبيه وأمه: 'أنا بخير يا باء، أنا في النور، أنا أراقبكم بسلام'. تذكروا قوله لأبيه في الحلم: 'تسوّقنا، كل شيء مر، وأنا أعيش في سلام الأبدية'.
خذوا معكم شيئاً صغيراً تفعلونه اليوم وفي الأيام القادمة: عندما يشتد عليكم ثقل الفقد، افعلوا عملاً صغيراً ومخفياً باسم بنيامين. كلمة طيبة لمستمحٍ، مساعدة خفية لفقير، أو ابتسامة صادقة لمن يصارع ألمه بصمت. اجعلوا حبه جسراً يربط الأرض بالسماء. وليكن سلام الله الذي يفوق كل عقل، شفاعة أمنا العذراء مؤلمة القلب، وحنان الابن المصلوب، درعاً يحرس قلوبكم، ويمسح دموعكم، ويحملكم يوماً بعد يوم حتى يجمع الشمل الأبدي في حضن الآب السماوي.
For the intentions entrusted to Ben on our prayer wall:
بأمر مخلصنا وتشكيلنا بالتعليم الإلهي، نجسر على القول:
أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك، كما في السماء كذلك على الأرض. أعطنا خبزنا كفاف يومنا، واغفر لنا ذنوبنا وخطايانا، كما نحن نغفر لمن أخطأ وأساء إلينا، ولا تدخلنا في تجربة، لكن نجنا من الشرير. آمين.
ليبارككم الرب ويحرسكم، وليشرق بوجهه عليكم ويرحمكم، وليمنحكم سلامه الذي لا ينتهي. آمين.
✝ ليبارِكْكُمُ اللهُ القَدير، الآبُ والابْنُ والرّوحُ القُدُس. آمين.